المواجهة السيبرانية .. بين الولايات المتحدة والصين

|


نشرت مجلة "تايم الأمريكية" في عددها مطلع عام 2019 تحقيقا عن الحرب السيبرانية المتوقع نشوبها في المستقبل القريب بين الولايات المتحدة والصين، وأكدت المجلة أن الحرب السيبرانية ستكون جزءا مهما من الحرب التجارية المنتظر انفجارها من جديد بعد انقضاء هدنة الـ90 يوما التي تم الاتفاق عليها مع بداية كانون الأول (ديسمبر) 2018 بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جين بينج.
وينص اتفاق الهدنة بين الرئيسين الأمريكي والصيني على تأجيل تنفيذ رفع الرسوم الجمركية الإضافية على الواردات الصينية في أمريكا مقابل رفع نسبة الواردات الأمريكية في الأسواق الصينية خصوصا في مجال الزراعة.
وتهدف الولايات المتحدة من فرض رسوم جمركية على الواردات إلى تحقيق مكاسب اقتصادية أكبر على حساب شبكتها الاستراتيجية وعلاقاتها بحلفائها في سبيل زيادة ناتج دخلها المحلي القومي واكتساب موقف استراتيجي مع عدة دول، وبالذات الصين وفقا لخطة ترمب التي كان يروج لها إبان حملته الرئاسية.
وبدأت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين حينما أعلن الرئيس الأمريكي ترمب في حزيران (يونيو) 2018 زيادة الرسوم الجمركية على واردات الحديد والألمنيوم ما سبب استياء عاما في داخل الولايات المتحدة وخارجها، وإزاء ذلك اتخذت المكسيك إجراءات تصعيدية ورفعت الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية. ولكن التصعيدات بين الدول المعنية وعلى رأسها الصين بدأت حينما أعلن الرئيس ترمب في آب (أغسطس) 2018 رسوما جمركية إضافية على الواردات الصينية من 10 في المائة إلى 25 في المائة، أي ما يعادل 200 مليار دولار إضافية، وإزاء ذلك قررت الحكومة الصينية رفع رسوم ضرائب الصادرات.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل تطورت الخلافات والتصعيدات حتى وصلت إلى أن أمريكا اتهمت الصين بالتجسس وسرقة الاختراعات الأمريكية الذكية.
ويبدو أن الفترة الزمنية التي نصت عليها الهدنة "90 يوما" الموقعة بين أمريكا والصين لا تكفي لمراجعة كل الملفات الشائكة بين الدولتين المتنافرتين، فمثلا ملف فرض قيود على انتهاك الخصوصية، وكذلك ملف إعادة هيكلة الملكية الفكرية، ثم ملف الاختراقات التكنولوجية، والسرقة الإلكترونية، كلها من القضايا المهمة التي تشغل الولايات المتحدة والمطروحة على مائدة الحوار والتفاوض، بل يقول مراقبون أمريكيون إن التصعيد الأمريكي مع الصين كان منذ البداية بهدف الضغط على الصين لعدم الاعتداء والتطاول على التكنولوجيا الأمريكية وإشعال حرب سيبرانية مفتوحة.
ولكن الرئيس الأمريكي ترمب فاجأ الصحافيين في اليومين الماضيين بتصريح قال فيه إن المفاوضات بين الإدارة الأمريكية والإدارة الصينية تبعث على التفاؤل، وأكد أن أمريكا والصين تقتربان من الوصول إلى اتفاق.
وقد حدثت قضية اعتقال منج وانزهو المديرة المالية لشركة هواوي الصينية في كندا ومطالبة الولايات المتحدة حكومة كندا بتسليم المسؤولة الصينية لها، لأن واشنطن تشتبه في انتهاك وانزهو العقوبات الأمريكية على إيران، واحتجت الصين بشدة على توقيف منج، مطالبة حكومة كندا بالإفراج عن هذه المواطنة الصينية التي لم تنتهك أي قانون!
من جهتها، قالت شركة هواوي إنها لا تعلم بوجود مخالفات مزعومة ارتكبتها منج، وإنها لم تتلق سوى القليل جدا من المعلومات المتعلقة بالتهم وليست على علم بأي ضرر من جانب السيدة منج. والمعروف أن "هواوي" هي العلامة التجارية الثالثة في العالم بين الهواتف الذكية بعد "سامسونج وأبل"، إلا أن الطريق إلى السوق الأمريكية أغلقت أمام اللاعب الصيني، ولا سيما أن لدى الإدارة الأمريكية ــ كما أشرنا ــ قلقا من إمكانية استخدام المعدات المصنعة من قبل "هواوي" لأغراض التجسس!
ولعل مما زاد من حالات التوتر السيبراني بين الولايات المتحدة والصين أن الخلاف بين الإدارة الأمريكية والإدارة الصينية لم يعد في دهاليز الإدارتين فقط، بل تطورت الأمور إلى الأسوأ، وشهدت أروقة المحاكم في الصين صدور أحكام على اثنين من طلبات شركة صناعة الرقائق الإلكترونية الأمريكية "كوالكوم" التي رفعت دعوى على شركة أبل الأمريكية وزعمت أن "أبل" انتهكت اثنين من براءات اختراعها في موديلات آيفون من خلال شاشة تعمل باللمس. أكثر من هذا فقد هددت الصين بمزيد من العقوبات ضد "أبل" الأمريكية، وكان هدف هذه التهديدات التي صدرت عن الصين الضغط على الإدارة الأمريكية للتراجع عن قراراتها بفرض ضرائب على السلع الصينية.
من ناحيتها فإن "أبل" اتهمت "كوالكوم" باتباع حيل وصفتها بـ"القذرة"، بما في ذلك تأكيد براءة اختراع تم إبطالها من قبل المحاكم الدولية، وبراءات اختراع أخرى لم تستخدمها من قبل، وأكدت "أبل" أنها سترد قانونيا على أي أحكام مزعومة ضدها.
وواضح مما سبق أن المواجهة السيبرانية بين الولايات المتحدة والصين دخلت منعطفا خطيرا، وأنه ليس أمام الدولتين إلا الجلوس إلى مائدة التفاوض وإنهاء كل الخلافات التي توشك أن تنفجر على الجميع، والمصيبة أن الدخول في حرب سيبرانية وأخرى تجارية سيلحق أضرارا بالغة بالاقتصاد الدولي، وسوف تتضرر كل دول العالم وليس فقط الولايات المتحدة وجمهورية الصين.

إنشرها