أهمية ترسيخ تطوع المحترفين

|

هي فكرة ظهرت بداياتها في مجال المحاماة، بحيث يتطوع المحامي بجزء من وقته وقضاياه لمصلحة أطراف لا يمكنهم تحمل تكاليف القضايا، ويعتبرون ممن يستحق المساعدة اجتماعيا، ثم تطور المبدأ ليشمل مجالات الاحتراف المهني والعملي بشكل عام ويطلق عليها Pro Bono وهي عبارة لاتينية تعني أداء الأعمال الاحترافية بدون مقابل، وذلك لقضايا المصلحة العامة أو لجهات ومؤسسات خيرية وغير ربحية، وكذلك للأشخاص المحتاجين والذين تتطلب أمورهم المعيشية هذه الخدمات لكن لا يستطيعون دفع المقابل المالي لها. أحد جوانب "رؤية 2030" هو تنمية روح التطوع ومأسسة العمل التطوعي، ليكون أكثر فعالية، وليرد المقتدر جزءا من نعم الله عليه لمجتمعه، وينفع بها إخوانه.
وتشير أرقام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى أن عدد المتطوعين في المملكة عام 2015 يقدر بـ 25 ألف متطوع، وتستهدف الوزارة مضاعفة هذا الرقم عشرة أضعاف ليصل إلى 300 ألف متطوع في 2020، كما تطمح أن تكون للمؤسسات غير الربحية والخيرية مشاركة أكبر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لكن هذا لن يتحقق بسهولة ما لم تكن هناك توعية بأهمية التطوع وحوافز مشجعة لانخراط أكبر عدد ممكن من المجتمع في الأعمال التطوعية المختلفة. ولعل أبرز تجربة شخصية مررت بها خلال الدراسة في الخارج أن أغلب الزملاء الذين كانوا يبحثون عن قبول للدراسات العليا بالذات كانت لديهم فكرة أن وجود الأعمال التطوعية في السيرة الذاتية سيعزز من إمكانية الحصول على قبول في أفضل الجامعات، وهذا يعني غرس أهمية التطوع على جميع الأصعدة وجعله معيار للمفاضلة، بل قد يكون عدم وجود عمل تطوعي في السيرة الذاتية - خاصة للمهنيين - مثلبة على الشخص في المجتمعات المتقدمة. ولذا نحتاج إلى تأصيل ثقافة الجمع بين منافع التطوع من حيث احتساب الأجر في الآخرة وكونه واجبا إنسانيا والمنافع الدنيوية من تحسين الفرص وبناء الخبرات للشخص.
التطوع الاحترافي يظهر تقدما ملحوظا في أوساط المهنيين في المجتمعات المتقدمة، ويدعمه تشجيع الهيئات والجمعيات المهنية التي يصل ببعضها أن تلزم من ينتسب إليها بأن يستقطع جزءا من وقته للأعمال التطوعية، فمثلا في كوريا الجنوبية نجد أن المحامي ملزم بـ 30 ساعة تطوعية سنويا، ومن لم يستطع الوفاء بها فلا بد أن يدفع 17 إلى 20 دولارا عن كل ساعة لم يقضِها في التطوع، وفي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هناك مناسبات مخصصة للتعريف ونشر ثقافة التطوع الاحترافي عن طريق المؤتمرات السنوية وأسبوع التطوع الاحترافي الذي تشارك فيه أغلب الكليات والشركات كل في مجاله المهني والعملي. وهنا يظهر دور المؤسسات المنظمة للمهن مثل الهيئة السعودية للمقيمين المعتمدين والهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين والهيئة السعودية للمحامين والهيئة السعودية للتخصصات الطبية وغيرها من الجمعيات والهيئات والمؤسسات المهنية التي يجب أن توجد برامج تلزم تارة وتشجع تارة أخرى الشركات والأفراد المهنيين على تبني مفهوم التطوع الاحترافي ورفع مستوى الوعي به، بل قد تحتاج في البداية إلى إلزام ورعاية هذه المبادرات ومأسستها حتى يتلقفها ويتشرب مفاهيمها المجتمع المهني ثم ينطلق القطاع الخاص وغير الربحي بها إلى مستويات أكثر ابتكارا وتنظيما.
أما الطريقة الثانية فهي تشجيع الشركات ولا سيما الكبيرة والمتخصصة لتبني مفهوم التطوع الاحترافي، بأن يكون مثلا ضمن معايير التقييم داخل المنشأة للحصول على الترقيات والحوافز المالية، كذلك محاولة الارتباط بالجهات والمؤسسات الخيرية وغير الربحية ومعرفة احتياجاتهم الاحترافية وطلب التطوع من الموظفين المتخصصين لسد الفجوة المهنية في تلك المؤسسات الخيرية، فمثلا تعمل شركة IBM المشهورة بالخدمات والحلول التقنية على إرسال موظفيها الراغبين في التطوع لتنفيذ مشاريع في دول نامية لا تستطيع تحمل تكاليفها بالتعاون مع مؤسسة متخصصة، وخلال تنفيذ المشروع يتم إلحاق مجموعة مميزة من أبناء البلد للاستفادة من الخبرات التي جلبتها IBM وكذلك إدارة المشروع مستقبلا، وقد أثرت هذه المشاريع منذ تبنتها IBM بشكل إيجابي جدا لدى موظفيها، الذين أوضحوا أنهم هم من استفادوا من هذه المشاريع واكتساب خبرات جديدة في دول أخرى، كما تمكنوا من تنمية قدراتهم القيادية، وهم فرحون جدا على المستوى الشخصي من النفع المتعدي الذي يقدمونه للمحتاجين، ولذلك صرح بعضهم بأنهم سيستمرون طوال حياتهم في العمل مع IBM بعد تجربة التطوع الثرية، وبهذا حققت الشركة عدة مكاسب فقط من خلال التطوع الاحترافي الذي اتخذته سبيلا لرفع قدرات فريق العمل وتعزيز مستوى الولاء للمنشأة. أما أشكال التطوع فلا تقتصر على خدمة المحتاجين بشكل مباشر فقط بل تتجاوزها إلى تقديم ورش العمل المجانية للراغبين في الانخراط في المجال المهني، وكذلك المساهمة في أوراق العمل والدراسات والأبحاث المتخصصة، كما أن التعليم على رأس العمل والتدريب للمبتدئين يمثل خدمة اجتماعية مهمة يمكن أن يقدمها المحترف، والتعاون مع المؤسسات الخيرية وغير الربحية لسد الفجوات المهنية والاحترافية في كوادرها البشرية.
الخلاصة، لا بد أن تتضافر جهود المشرعين والمراقبين والمؤسسات الخاصة وغير الربحية لترسيخ أهمية التطوع الاحترافي وتكوين منصة متاحة لمن يرغب في التطوع وعرض الفرص في هذا المجال، كما لا أنسى أن أشكر كل من بادر في هذا الجانب، وما يحضرني من هذه المبادرات الجميلة هي مبادرة "هارون" للتطوع الاحترافي، بدعم مؤسسة الشيخ سليمان الراجحي الخيرية، التي تعمل على ربط المهنيين والمحترفين بالمؤسسات الخيرية وغير الربحية، كذلك مبادرة التقنية المباركة، التي تعمل على تحفيز التطوع في مجال التقنية.

إنشرها