تضاعف الضغوط على السوق العقارية

|
كما أن كثيرا من التشوهات وعديدا من العوامل الاقتصادية والمالية والاجتماعية في السوق العقارية المحلية، وقفت خلال عقود مضت خلف الصعود الكبير لأسعار مختلف الأصول العقارية، فلا شك أن زوال تلك التشوهات، وتلاشي العوامل الأخرى اقتصاديا وماليا واجتماعيا، سيؤدي إلى عكس مسار ذلك الصعود في الأسعار، وتحوله إلى الانخفاض، بمشيئة الله تعالى. عملت الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الدولة ـــ أيدها الله ـــ على معالجة التشوهات التي عاناها الاقتصاد الوطني بأكمله، لا السوق العقارية فحسب، وكان من الطبيعي أن تترك تلك الإصلاحات آثارا عميقة، وما يهمنا هنا هو ما يتعلق بالسوق العقارية، التي تسببت تشوهاتها الكبيرة "الاحتكار، المضاربة" وكانت كامنة وسط أحشاء السوق طوال عقود مضت، في صناعة كثير من الأزمات التنموية محليا، لعل من أهمها أزمة تملك المساكن، نتيجة الغلاء الكبير الذي طرأ على أسعار الأراضي والعقارات وتكلفة إيجاراتها سكنيا وتجاريا، وما تسبب فيه ذلك من تضخم لتكاليف المعيشة على أفراد المجتمع، إضافة إلى تضخيمه تكاليف الإنتاج والتشغيل على منشآت القطاع الخاص، التي قامت بدورها برفع أسعار منتجاتها وخدماتها، وانعكس بدوره سلبا على تكاليف معيشة الأفراد، لترتفع مرة أخرى وتزيد من تعقيد الظروف المعيشية والحياتية على عموم المواطنين والمقيمين دون استثناء. وزاد من تضخم الأسعار على هذا المستوى المعقد تنمويا، أنه كلما تم إقرار أي زيادات في الأجور أو في القدرة الائتمانية "الاقتراض"، بهدف تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، زادت معه الأسعار صعودا، بمعنى أننا أصبحنا نحلق صعودا في حلقة مفرغة من التضخم الصاعد والمستمر، ما أفضى لاحقا إلى رضوخ غالبية الأفراد لضغوط معيشية بالغة التعقيد، وفي الوقت ذاته رضوخهم لضغوط تحمل أعباء طائلة من الديون المصرفية طويلة الأجل، التي وصل استقطاعها من الأجر الشهري للفرد العامل إلى نحو 65 في المائة! ولعلنا نتذكر حجم الصدمة الكبيرة التي وقعت على عديد من الأفراد، نتيجة إيقاف دفع البدلات الشهرية، التي لم يطل بحمد الله أثرها لأكثر من عام مضى، لتتم إعادة صرفها مرة أخرى، لكن لا تزال الضغوط المعيشية مستمرة في ممارسة مهامها المعقدة على كاهل الفرد العامل المقترض. لهذا جاءت مبادئ التمويل المسؤول لتقف بالمرصاد أمام آخر طريق كانت تغذي تضخم الأسعار محليا، فالقروض المصرفية غير المحكمة القيود والضوابط دائما تأتي نتائجها عكسية اقتصاديا واجتماعيا، حتى تنمويا، وما نراه في الوقت الراهن من تحديات معيشية على الأفراد، يقف خلفه بنسبة كبيرة جدا، إفراط سابق لم يكن محسوب العواقب. فوفقا لما تبينه أحدث البيانات المتوافرة حول مجتمع المقترضين الأفراد من المصارف وشركات التمويل في نهاية 2017، فقد وصل إجمالي أعدادهم إلى نحو 3.3 مليون فرد مقترض، يتحملون أعلى من 464 مليار ريال كقروض استهلاكية وعقارية وبطاقات ائتمان، سيكون نصيبهم من تلك المبادئ شبه معدوم إلا أن تنتهي فترة قروض المقترضين، ومن ثم يتم تجديدها، أو لأي سبب آخر ينتج عنه تجديد العلاقة التعاقدية بين المقترض والممول. يتوزع إجمالي المقترضين الأفراد من المصارف وشركات التمويل بين 3.13 مليون فرد مقترض "يشكلون 95 في المائة من إجمالي أعداد المقترضين الأفراد"، لقروض استهلاكية وبطاقات ائتمان تتجاوز 330.4 مليار ريال بنهاية كانون الأول (ديسمبر) 2017 "تشكل 71.2 في المائة من إجمالي القروض على الأفراد"، فيما تصل أعداد المقترضين لقروض عقارية من المصارف وشركات التمويل إلى نحو 168 ألف مقترض "يشكلون 5 في المائة فقط من إجمالي أعداد المقترضين الأفراد"، بلغ حجم القروض العقارية عليهم نحو 133.6 مليار ريال بنهاية كانون الأول (ديسمبر) 2017 "تشكل 28.8 في المائة من إجمالي القروض على الأفراد". أن يبدأ العمل بعد أيام قليلة بتلك المبادئ، نكون بذلك أغلقنا بابا طالما ألحق الإفراط فيه كثيرا من الآثار السلبية في معيشة المواطنين، وتسبب أيضا في صناعة فقاعات سعرية في عديد من الأسواق والنشاطات المحلية، وعلى رأسها السوق العقارية، التي كانت مكتظة بكثير من التشوهات "الاحتكار، المضاربة"، وكان تدفق الأموال عليها في ظل تلك التشوهات، أشبه بمن يسكب البنزين على حريق قائم! إننا وحال السوق العقارية المحلية اليوم، التي تواجه: (1) تقييدا صارما على القروض المصرفية باختلاف أنواعها، يستهدف حماية القطاع المالي والمجتمع من الإفراط غير المحسوبة أخطاره، نكون قد قيدنا تدفق الأموال، وعملنا على تقنينها بالقدر الكافي الذي لا يرهق ميزانية الأفراد والأسر، وفي الوقت ذاته أوقفنا "نزعة" الصعود غير المبرر في الأسعار، التي كان يوظفها أغلب تجار الأراضي والعقارات في خدمة أهدافهم، دون النظر إلى ما قد يقع من آثار عكسية على بقية الأطراف "الممولين، المقترضين"، يمكن القول الآن إن هذا المصدر المالي غير المقنن نظاميا، أصبح في طي النسيان تماما، وحل مكانه تقنينا نظاميا سيترك آثاره المحمودة لاحقا، وقبل كل ذلك ليوقف تماما "وقودا" غير مقيد، طالما تسبب في تسخين الأسعار في السوق العقارية المحلية. (2) بدء التطبيق الفعلي لشهادة الاستدامة على الوحدات السكنية، الذي يستهدف حماية المواطنين من التورط في مساكن مغشوشة البناء، وهو الأمر الذي لن تستطيع مئات الآلاف من المساكن المشيدة الآن والمعروضة للبيع، الوفاء بمتطلبات تلك الشهادة، ما سيضطر ملاكها إلى خفض أسعارها بصورة غير متوقعة، بحثا عن أسرع تخارج منها، وقبولا بأقل حد ممكن من الخسارة، وهذا من شأنه أن يحدث صدوعا كبيرة في جبهة الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات خلال فترة قصيرة، مع الضرورة القصوى بالنسبة إلى المشترين، أن يحذروا كل الحذر من التورط في شراء مثل تلك المنتجات العقارية التي تفتقر إلى تلك الشهادة، مهما كان مغريا انخفاض الأسعار، والبحث عن تلك المنتجات التي تمتلك شهادة الاستدامة، وإن كانت أسعارها أعلى من تلك المساكن المغشوشة. (3) الزيادة المتوقعة والكبيرة في رحيل مئات الآلاف من الوافدين وأُسرهم بعد انتهاء الفصل الدراسي خلال العام الجاري، كإحدى نتائج الإصلاحات الاقتصادية الراهنة، خاصة تلك المرتبطة بتصحيح أوضاع العمالة الوافدة في سوق العمل المحلية، وارتفاع تكلفة رسومها، إضافة إلى رسوم المرافقين والتابعين لها، ما سيزيد كثيرا من إخلاء مئات الآلاف من المساكن المستأجرة، تضاف إلى مئات الآلاف من الوحدات السكنية الشاغرة، سواء تلك المتاحة للتأجير، أو للبيع، الذي سيؤدي إلى مزيد من خفض تكلفة إيجارات المساكن "العائد على الاستثمار العقاري"، ويؤدي بدوره إلى مزيد من انخفاض الأسعار السوقية المتضخمة للأصول العقارية على اختلاف أنواعها، ذلك أن انخفاض حجم القوة الشرائية للسكان نتيجة خروج مزيد من الوافدين، سيترك آثاره بالتأكيد في مبيعات مختلف محال البيع المحلية، ويحدث انكماشا في التدفقات الداخلة على مختلف منشآت القطاع الخاص، الذي سيرتب عليه مستقبلا مزيدا من الاستغناء عن خدمات العمالة الوافدة، وهو الأمر الإيجابي في الأجلين المتوسط والطويل على رفع معدلات التوطين، واستمرار انخفاض الأسعار وتكاليف الإيجارات في السوق العقارية بصورة أكبر مما شهدته السوق خلال العامين الماضيين. إنها ثلاث صدمات ثقيلة الوزن، ستضاف إلى بقية الضغوط التي تخضع لها السوق العقارية سابقا، يؤمل - بمشيئة الله تعالى - أن تسهم في حل أزمة تملك المساكن، وأن تكون سببا في انجلاء هذه الأزمة التنموية الكأداء. والله ولي التوفيق.
إنشرها