لقد رضي براتب أقل لكن الإدارة لم ترض عنه

|
هناك مشكلة أبعد من المشكلة الاقتصادية الكلاسيكية، فالمسألة ليست مجرد اختلالات عرض وطلب كما تصورتها شخصيا، وليست مجرد كثرة العمال الأجانب وتوافر التأشيرات، بل هي مسألة تتعدى ذلك إلى مشكلة نفسية اقتصادية تواجه الشباب السعودي، مشكلة يجب أن تدرس من خلال مسارات ومساقات أخرى، وهي فعلا مركبة بشكل معقد، فحتى الرضى براتب أقل لم يكن كافيا لمنح الوظيفة لموظف سعودي، وحتى الاجتهاد في العمل والإنتاجية العالية لم تكن كافية له ولا حتى الولاء للمؤسسة، كل ذلك لم يشفع له أو لموظف سعودي آخر، بل فاز بها موظف أجنبي. نص : سأبدأ من هذه التغريدة للدكتور سعيد الخالدي عضو مجلس الشورى، ثم سأناقش مضمونها بتفصيل أكثر، حيث كتب الدكتور في حسابه ما يلي: "القطاع الثالث ليس ملائكيا للموظف السعودي.. فهو الأكثر إنتاجية والأقل راتبا، وقد تجد جهات تستكثر زيادة ألف ريال للموظف السعودي ثم تستقطب أجنبيا بمبلغ سبعة آلاف ريال للوظيفة نفسها، وأعتقد أن السعودة تأخرت كثيرا في هذا القطاع"، هذه هي التغريدة التي جعلتني أتواصل مع الزميل سعيد الخالدي لأفهم سببها، خاصة أنها تقلب موازين فهمي لمشكلة سوق العمل، فقد كنت وما زلت أقدم أن العمال الأجانب ينافسون السعودي من خلال القبول بأقل الأجور، لكن عندما يتم استبدال موظف سعودي عالي الإنتاجية بموظف أجنبي للعمل نفسه، وبراتب أعلى فإن كل المفاهيم تصبح عندي مقلوبة تماما. لذا عندما سألت عن موضوع التغريدة أرسل الزميل هذه المحادثة بينه وبين أحد موظفي الجميعات الخيرية في بلادنا، وسأعرض المحادثة "ببعض التصرف البسيط"، لنفهم حجم المشكلة التي نواجهها، ويواجهها شبابنا بكل تضحياتهم من أجل إيجاد فرصة عمل شريفة. وقد جاءت المحادثة كما يلي: "الموظف: اشتغلت في القطاع الثالث أغلب فترة عملي وراتبي الصافي بعد التأمينات بلغ 3669 ريالا في وظيفة سكرتير، وبعد فترة طلبت الإدارة مني العمل على تقنية الحاسب الآلي وتنفيذ بعض التصميمات بزيادة 500 ريال، على أن أقوم بهذه الوظيفة مع عملي سكرتيرا في الوقت نفسه، وكان الوضع متعبا جدا فرجعت وتحدثت مع الإدارة بشأن زيادة الراتب، خاصة أنني أكمل العمل من البيت بعد الدوام لإنجاز المهام، وطلبت زيادة 1500 ريال "ليصبح الراتب بعد الزيادة 5169 ريالا"، فرفضوا ذلك، فاضطررت للاعتذار عن مهام التصميم والبقاء في عملي الأصلي وهو السكرتارية، لكن المفاجأة أنهم استقدموا موظفا من جنسية عربية، ودفعوا له من أجل التصميم فقط راتبا قدره 7600 ريال، مع بقائي في عملي، إضافة إلى الإشراف على أعمال التقنية في المؤسسة الخيرية وعدم تغيير راتبي. الزميل: هل العمل الذي سيقوم به الموظف الأجنبي أكثر من العمل الذي قمت به، أو ساعات عمل أكثر. الموظف: العمل نفسه والوقت نفسه والإجازات نفسها، وحقيقة تحطم قلبي من جراء ما قامت به الإدارة، ولو أنهم أعطوا الراتب نفسه لموظف سعودي آخر فكيف سيكون أثره في حياته وأسرته؟! الزميل: أولا عليك بالصبر، وتحديد عملك بدقة مع الإدارة وتوصيفه بشكل واضح، ولا تتدخل في أعمال التصميم نهائيا طالما هناك من هو مكلف بها الآن". بهذا انتهت المحادثة، وكان طلب الموظف هو نشر تغريدة بمشكلة القطاع الخيري مع الموظف السعودي فكانت التغريدة للزميل في أول هذا المقال. من الواضح جدا من خلال المحادثة أن الموظف السعودي جاد جدا ويقدم إنتاجية عالية، ومستعد لقبول مستويات راتب منافسة للعمال الأجانب، كما أنه حريص على سمعة المؤسسة التي ينتمي إليها، بدليل أن الموظف المشار إليه في المحادثة رفض نشر اسم المؤسسة الخيرية أو حتى ذكرها في أي تغريدة، فهو حريص على سمعتها، ومع ذلك فإنه يشعر بظلم كبير ليس له وحده، بل يشعر بالظلم تجاه الموظف السعودي عموما، فهو يقول بكل وضوح إنه كان يتمنى لو منحت الفرصة لموظف سعودي آخر، وكان المبلغ مناسبا ويمكنه تغيير حياة أسرة صغيرة وشاب مقبل على الحياة. لن أتحدث عن العمال الأجانب وقدرتهم على الفوز بالوظائف، فهم حريصون على العمل وإنتاجيتهم عالية، لكن الموظف السعودي عالي الإنتاجية أيضا بعكس كل ما يروج عنه، وقادر على تحمل مشاق العمل، فالموظف وافق على كل المهام التي ألقيت عليه، عمل حتى من منزله، وهو حريص على النجاح، وكل ما طلبه في مقابل ذلك هو عوائد تتناسب مع حجم إنتاجه ليستمر في العطاء، ولو أن المؤسسة التي ينتمي إليها استطاعت جلب موظف آخر "لو كان أجنبيا" براتب أقل مما طلبه الموظف السعودي لهان الأمر، لكنهم دفعوا راتبا أعلى؛ ما يعني إقرارهم أن العائد على إنتاجية الموظف لم يكن مناسبا، بل هو يستحق أكثر، فلماذا هذا الإصرار من قبل المؤسسات وإداراتها على معاملة أبنائنا بهذه الطريقة، وكيف فشلت مؤسسة خيرية في أن تجد موظفا سعوديا يقوم بمهام التصميم؟ ولماذا فشلت في قبول طلب زيادة الموظف السعودي القائم بالعمل زيادة بسيطة، بينما هي قادرة في الوقت نفسه على دفع هذا المستوى من الراتب مع جميع المصروفات الأخرى المتعلقة بالاستقدام والتأشيرات والإقامة للعامل الأجنبي؟! إذن هناك مشكلة أبعد من المشكلة الاقتصادية الكلاسيكية، فالمسألة ليست مجرد اختلالات عرض وطلب كما تصورتها شخصيا، وليست مجرد كثرة العمال الأجانب وتوافر التأشيرات، بل هي مسألة تتعدى ذلك إلى مشكلة نفسية اقتصادية تواجه الشباب السعودي، مشكلة يجب أن تدرس من خلال مسارات ومساقات أخرى، وهي فعلا مركبة بشكل معقد، فحتى الرضى براتب أقل لم يكن كافيا لمنح الوظيفة لموظف سعودي، وحتى الاجتهاد في العمل والإنتاجية العالية لم تكن كافية له ولا حتى الولاء للمؤسسة، كل ذلك لم يشفع له أو لموظف سعودي آخر، بل فاز بها موظف أجنبي لو كان ماهرا في عمله، ومن الواضح أن جهود السعودة ولو بقوة النظام تواجه مصدات نفسية وتعاونا خفيا "لو كان بشكل عفوي غير مقصود" بين العمال الأجانب وبين الإدارات في المؤسسات المختلفة، تعاونا تقوده مشكلة نفسية اقتصادية.
إنشرها