«الشورى» ومحتاجو القرى النائية .. والمستشفى التخصصي

|

خلال أعمال جلسة مجلس الشورى في الأسبوع الماضي، كانت مناقشة تقرير مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي، وكما هو متوقع فقد جاءت نقاشات مجلس الشورى عميقة حول أعمال ومهام وتقرير المؤسسة، لكن من المهم هنا الإشارة إلى مقترح قدمه عضو المجلس محمد العقلا، حول المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة، حيث إنه طلب من مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي تطوير برنامج خاص بالأسر الضمانية خاصة في القرى النائية في المملكة، واستكشاف الحالات الوبائية هناك، والحالات المرضية النادرة، التي لا تمكن معالجتها في المستشفيات الحكومية القريبة من تلك القرى، أو اكتشاف الحالات الصعبة وتحويلها مباشرة إلى مستشفيات المؤسسة والتكفل بعلاجها، بدلا من ترك المريض هنا يعاني طول المراجعات والإجراءات حتى يصبح علاجه معقدا ومستحيلا، لينتظر الموت مع آلام المرض وحيدا في قريته.
وإذا كنت ـــ شخصيا ـــ أرى أن الاقتصاد مبني على المسؤولية وليس الحرية، فإن الاهتمام بهذه المسؤولية وتفسيرها على كل الأصعدة والعمل على تحقيقها ستكون له آثار اقتصادية ضخمة في المجتمع تنمية واستدامة.
وفي إطار مفهوم المسؤولية الاجتماعية قد ترد إدارة مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي على مقترح عضو مجلس الشورى بأنه متحقق، من حيث إن المؤسسة طورت برنامجا لدعم ومساعدة المرضى المحتاجين من خلال تبرعات أهل الخير عن طريق دعم صندوقي الزكاة والصدقات التابعين لإدارة الخدمات الاجتماعية، حيث سيتم صرف إيرادات هذه الحسابات على المرضى الذين يحتاجون إلى مساعدات خاصة، ورغم أنه لا توجد لدي حتى الآن معلومات كافية عن إنجازات هذه الحسابات، وكم حققت وما إنجازاتها، لكن الفكرة هي التي تعنيني في هذه المرحلة، فالمقترح بشأن القرى النائية والأسر الضمانية أبعد بكثير من مجرد حساب التبرعات، وتستطيع مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي أن توسع تجربة الحسابات الخيرية لديها في برنامج ضخم، فنحن نعلم أنه مهما كانت قدرات الحكومة ودعمها فإن هذا الدعم الحكومي سيذهب حتما إلى تحقيق وإنجاز الأهداف والأعمال الرئيسة التي يقوم بها المستشفى، وللحقيقة فهو يعمل في هذا بجدارة تستحق الإعجاب. لكننا نعرف أن قضية الأبحاث والتجارب الطبية تحتاج إلى دعم كبير جدا، وهنا يأتي دور المسؤولية الاجتماعية لكل أفراد المجتمع، فهي التي يمكن من خلالها تمويل مثل هذه التجارب وهذه الأبحاث المهمة، وفي مثل هذا المفهوم الواسع من المسؤولية الاجتماعية والدور الذي يمكن أن يلعبه المستشفى ـــ كمؤسسة موثوق بها ـــ هو إطلاق برنامج بحثي وطبي متكامل من أجل استكشاف الأمراض والحالات الصعبة والحرجة والنادرة عند الأسر الضمانية وفي القرى والهجر النائية في المملكة، فهناك مرضى وفقراء غير قادرين على الوصول، فهلا جمعنا أهل الخير في هذه البلاد تحت مظلة المستشفى التخصصي في برنامج موجه لذلك.
هناك تجربة مثيرة تستحق الإشارة إليها، هي ما قامت به جامعة الملك خالد لخمس سنوات متتاليات، برنامج طبي وتوعوي في قرى وهجر منطقة عسير، وفي تهامة منها على الأخص، وقد تبنت الجامعة هذا البرنامج بناء على دورها ومسؤولياتها الاجتماعية وخدمة المجتمع، وفي كل عام يخرج مئات من أبناء جامعة الملك خالد ممثلين لكل الكليات الطبية وبتنوع تخصصاتها، ويتم نقل أجهزة متطورة في سيارات خاصة لهذا الغرض وتجهيزات ضخمة جدا مثل الأشعة وعيادات الأسنان والمختبرات، ولمدة أسبوع كامل وتحت حراسة أمنية كاملة من جهاز الأمن والسلامة الجامعي، برنامج مدروس ومتكامل وبتغطية مالية كاملة من جامعة الملك خالد فقط وفي مناطق أقل ما يقال عنها إنها نائية عن المدن الكبيرة والحضرية، برنامج كان الهدف منه هو الوصول إلى شريحة غالية على المجتمع نهتم بها جدا. وفي كل عام ومع كل برنامج تكتشف الجامعة حالات مرضية كثيرة بين نادرة وبين حرجة ومزمنة وصعبة، وفي كل هذه الحالات يتم تحويل المحتاج منهم فورا إلى المستشفيات الرئيسة مع تقرير كامل بالحالة موثق من استشاريين متخصصين، وفي أحيان أخرى كان يتم نقل المرضى فورا وبالإسعاف، ومع هذه الجهود الطبية هناك جهود ضخمة دعوية وتوعوية لا يتسع المجال لذكرها.
فإذاً هناك تجارب تستحق الدراسة، ولدى المستشفى التخصصي حسابات للتبرعات ويستطيع بقدرات موظفيه بناء برنامج متكامل تعاوني بين أطباء المملكة ككل، الهدف منه هو زيارة منطقة نائية كل عام لمدة أسبوع أو أكثر أو وفق جدول سنوي مقرر، لمعالجة الفقراء في أماكن وجودهم، في مناطقهم التي قد لا يستطيعون الوصول منها إلى الرياض وجدة بسبب الفقر وتنائي المكان، ومن هنا وتأييدا لمقترح عضو مجلس الشورى محمد العقلا، ومن منبر "الاقتصادية" المهم أقول لمؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي أنتم أهل لذلك، والطرق من أجل تمويل هذه الحملات سهلة وميسرة، ولنبدأ الآن في برنامج بسيط غير معقد ولا مكلف وبالتعاون مع الجامعات السعودية في كل منطقة للمساعدة اللوجستية من أجهزة وغيرها، ثم نقيّم التجربة عاما بعد عام، وأنا متأكد أننا سننتهي إلى مشروع يستحق الاحترام المجتمعي وحتى العالمي، ويحقق معنى حقوق الإنسان في الإسلام.

إنشرها