الإداريون الجدد والتنافس

|

يقول لي أحد المسؤولين في جهة حكومية بدأت في إعادة طرح خدماتها بشكل اقتصادي: "لم أكن أصدق أن الإدارة التي كانت تعير لنا الموظفين أصبحت تنافسنا في تقديم الخدمات، إن المنافسة شديدة جدا لدرجة أنهم طلبوا من المرجعية التي تشرف علينا أن تحصر ميزة تقديم الخدمات بمقابل على إدارتهم فقط. آخر يحدثني عن تحويل الشؤون الإدارية والمالية إلى إدارات متخصصة وإلغاء إدارة الخدمات المساندة، واستغرابه كيف أن الترتيب الجديد وزع الصلاحيات بشكل عشوائي على عدد أكبر من الموظفين؟. وهناك من يعبر عن صعوبة تغيير العقليات سعيا خلف نموذج جديد يشبه ما يحصل في الشركات، فهو يريد من موظفيه أن يفكروا في أداء المنشأة، وتكاليف تشغيل الأقسام، والموازنة القابلة للتعديل، والحوافز المرتبطة بالأداء ولكن الواقع بعيد عن ذلك. يقول: إن التغيير كبير لدرجة أن الموظفين المخضرمين سيتجاهلونه تماما، وسنعيش سنوات من العزلة الداخلية بين فريقين، أحدهم شاب متحمس والآخر خبير متوجس.
يقوم عديد من الجهات الحكومية بممارسات جديدة لم تعتدها من قبل. ترتبط هذه الممارسات في جوهرها بتحسين الأداء وضبط معالجة عملياتها بشكل فعال وكفء. ببساطة، سواء تم إخضاع الجهة الحكومية للتخصيص بالكامل، أو قامت بإنشاء برامج جديدة بسمات اقتصادية عصرية، أو أسست وتملكت الشركات، أو خضعت لمعايير الحوكمة والرقابة نجدها في نهاية الأمر تغير من هويتها وإجراءاتها بشكل يماثل أساليب القطاع الخاص. وهذا يعني التعامل مع المستفيدين كعملاء، وتقديم منتجات وخدمات ذات قيمة للعملاء، والتنافس مع آخرين لم يكن التنافس معهم قائما من قبل، وتغيير قوام المنشأة التنظيمي، ورصد ومتابعة الأداء بشكل منضبط، واستخدام الأدوات التقليدية التي تقرأ المنفعة والعائد لاتخاذ القرارات.
في خضم هذه التغييرات، تقف العوامل الثقافية جدارا صلبا ممثلة في أكبر عوائق مقاومة التغيير. ولا تكون مقاومة التغيير فقط بالممانعة أو التشاؤم والسخط، وإنما تحدث مثلا بسوء فهم فكرة المنافسة، أو محاولة الابتكار بشكل غير ملائم، أو محاولة النجاح بنموذج عمل غير مكتمل الأركان. ناهيك عن تعارض المهام وقضايا الاحتكار التي تنشأ بسبب محاولة إدارة وتنظيم السوق الجديدة. أعتقد أن الجهات التي تقدمت ببرامج الخصخصة سواء على مستوى التنفيذ أو الأداء بعد التنفيذ استطاعت أن تسيطر على هذه الجوانب بشكل جيد، وذلك بتملكها فرق عمل حازت الحد الأدنى من المهارات المطلوبة، مع محدودية في مستوى التعقيد والتداخل.
تقوم الجامعات اليوم بإنشاء الشركات لبيع ابتكاراتها، وتنفذ المعامل خدمات الفحص بمقابل، ويطرح مقدمو الخدمات الطبية نوعين من الخدمات، مجموعة معتادة مجانية وأخرى إضافية بمقابل. هناك جهات كذلك بدأت في إعادة تعريف علاقاتها بالمستفيدين، وبدأت بتدريب موظفيها على مهارات البيع والتسويق. تقع مثل هذه الخطوات في الاتجاه الصحيح، ولكنها لا تكفي للمضي قدما نحو الهدف المنشود. المطلوب هو تغيير جذري في قوام الأداء المهني والبعد الثقافي للموظفين، الوحدات الأساسية في عملية التغيير وتحسين الأداء.
يتطلب سد الفراغ الذي أتحدث عنه دورا مشابها لما كان يقوم به معهد الإدارة مع الجهات الحكومية في فترات مضت، ولكن بشكل أكثر عصرية وبتوسع أكبر في طبيعة البرامج. لن تستطيع جهة مركزية واحدة دعم كل الاحتياجات الوطنية في هذا الفراغ الشاسع المعقد. المطلوب تحديدا هو شبكة من العناصر التدريبية والتثقيفية ــــ المبكرة واللاحقة ــــ التي تستطيع التأثير في معظم الجهات الحكومية وغير الحكومية بشكل يسمح لها بتطوير قدراتها المهنية على وجه السرعة. لا بد أن يتم تحديث أفكار اللاعبين الجدد بأحدث أساليب الإدارة، وبممارسات المنافسة العادلة، وبتصاميم نماذج الأعمال الملائمة، وبآليات التطوير والتحويل والابتكار. وأن تكتسب هذه الجهات التي تمر بمرحلة التغيير هذه المهارات أو السمات بشكل طولي وعرضي، كل الموظفين مع الإدارة، والمرجعيات والطرفيات، فالأفكار الجيدة لا تعمل جيدا عند حصرها على فئات محددة.
لا أتوقع ــــ ولا يجب ـــ أن تتحول الجهات الحكومية إلى قطاع خاص تقليدي. ما يجب أن ينتج هو شكلا جديدا من مقدمي الخدمات الذين يجمعون الحسنيين، كفاءة وفاعلية القطاع الخاص وسمو أهداف القطاع الحكومي، ما يكون أقرب إلى المنشأة الاجتماعية المتخصصة. وهذا في الحقيقة يتطلب وجود نظام تعليمي ملائم ومدارس تطبيقية لصنع الكفاءات وتطويرها مع الخطط المسبقة والمرنة. وفي غياب مثل هذه الحلول النموذجية، تظل مدرسة القطاع الخاص هي الأنسب والأقرب، خصوصا ما يتعلق بتجارب القطاع الخاص الناجحة والمميزة. مطالبة المنشآت التي لا تتسم بهذه الصفات بمعايير مرتفعة ومؤشرات رائعة لن تصنع فرق عمل عالية الأداء، وستواجه ضغوطا تجعل منتسبيها يتجهون للممارسات الخاطئة، وهو ليس ما نبحث عنه بكل تأكيد. تحقيق "الرؤية" وتجهيز المدخلات البشرية لتشارك في صنع الابتكار والإبداع في مدينة "نيوم" على سبيل المثال لن يحدث إلا بوجود حلول متجددة لتحديات متجددة، ودعم اللاعبين الجدد وتحسين مستوى أدائهم ودرجة احترافيتهم، فالمضمار طويل ولا يستحق أحد أن يجلس على كرسي الانتظار.

إنشرها