أي ضمانات في مواجهة كوارث الطبيعة؟

|
"الأعاصير تذكرنا دائما، أنه رغم تقدمنا التكنولوجي.. معظم ما يأتي من الطبيعة لا يمكن توقعه" دايان إيكرمان ـــ كاتبة وشاعرة أمريكية مع استفحال موسم الأعاصير والزوابع في الولايات المتحدة ومنطقة الكاريبي، يتوازى رعب المتضررين مباشرة منها، مع خوف مؤسسات التأمين والشركات التابعة لها، أو المتعاونة معها في تحمل مخاطر بعض البوالص. فكما هو معروف، تقوم شركات التأمين عادة بتوزيع المخاطر على أكثر من جهة بما يعرف بـ "التأمين وإعادة التأمين". بعض هذه البوالص تشترك في تغطيتها جهات يقدر عددها بالعشرات، وبعضها الآخر يصل عدد الجهات إلى أقل من ذلك. وكل هذا يرتبط بمدى حجم المخاطر المحتملة في هذه البوليصة أو تلك، خصوصا عندما تتعلق المسألة بالكوارث الطبيعية المتوقعة أو تلك التي لا أحد يستطيع توقعها مهما كانت إمكانيته عظيمة في قراءة المستقبل وآلياته متطورة في هذا المجال. حتى النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، كانت هناك مقولة متداولة في لندن والمدن التي تحتضن مراكز مالية عالمية كبيرة، أن مؤسسة "لويدز" للتأمين لا يمكن أن تخسر. وهذه المؤسسة كانت تعتبر أكبر وأقدم شركة تأمين في العالم آنذاك. غير أن أعاصير ضربت بريطانيا في تلك الفترة، ضربت معها "لويدز" التي وصلت إلى حافة الإفلاس الفعلي، على الرغم من اتباعها نظام توزيع المخاطر على شركات أخرى. وأثبتت التجارب السابقة، أن المخاطر الناجمة عن الكوارث الطبيعية أكثر ضررا لشركات التأمين في أي مكان، من أي مخاطر أخرى. هي لا تواجه فواتير الأضرار في الممتلكات فقط، بل تدفع فواتير التأمين على الحياة، وهذا النوع من التأمين منتشر بصورة كبيرة في الولايات المتحدة مقارنة بغيرها من البلدان المتقدمة الأخرى. في غضون أقل من ثلاثة عقود، ضربت الولايات المتحدة أعاصير ضخمة بلغ عددها عشرة. في حين سجلت السنوات المشار إليها كوارث طبيعية أخرى ضخمة هناك، كالزلازل والهزات الأرضية المتوسطة والأمطار التي تنتج السيول، والرياح التي تعطل الحياة في المناطق التي تضربها. ووفق الأرقام، فإن الخسائر الناجمة عن الأعاصير العشرة فقط تصل إلى ما بين 470 و500 مليار دولار، من بينها ما يزيد على 160 مليارا هي الخسائر التي تتكبدها البلاد نتيجة إعصار "كاترينا" الشهير، الذي اتُفق على أنه خامس أعنف إعصار في تاريخ الولايات المتحدة قاطبة، وسابع أكبر أعاصير الأطلسي على الإطلاق. ولو أضيفت الأضرار المالية الناجمة عن الكوارث الطبيعية الأخرى ولا سيما الزلازل، سيرتفع الرقم إلى مستويات عالية جدا. ولا سيما زلزالي أوكلاهوما وسان فرانسيسكو، دون الإشارة طبعا إلى خسائر الكوارث الطبيعية التي لم تدخل السجلات في تاريخ البلاد. المتوقع أن تواجه شركات التأمين مع موجة الأعاصير الراهنة التي تضرب الولايات المتحدة ضربة قاصمة، ولا سيما تلك المعنية بالتأمين في منطقة فلوريدا والمناطق الأخرى المتضررة. ويتفق عدد من الخبراء في مجال التأمين، على أن هذه الشركات قد تصل إلى مرحلة العجز في تعويض المتضررين، خصوصا أنهم قدروا الخسائر التي ستنجم عن إعصار "إيرما" المتفاعل بأكثر من 100 مليار دولار. المشكلة الرئيسة في هذه النقطة بالتحديد، تتعلق بمدى صحة تقديرات القائمين على شركات التأمين للأضرار الناتجة من كوارث طبيعية يمكن أن تقع. والحق أنهم لو رفعوا توقعاتهم لهذه الخسائر، فإنهم سيكونون مضطرين لرفع أقساط التأمين إلى مستويات قد لا يمكن تحملها من قبل الزبائن. إنها في كل الأحوال نوع من أنواع المقامرة. فإذا كنت لا تعرف متى بالضبط سيضرب هذا الإعصار أو الزلزال، كيف يمكن لك أن تتنبأ بالأضرار التي ستنجم عنه؟! إعصار "إيرما" الذي لم ينته بعد تسبب في أضرار لأكثر من 26 مليون أمريكي، ناهيك عن عدد الأشخاص في البلدان الحدودية مع الولايات المتحدة. في السابق ضربت الكوارث الطبيعية معها شركات تأمين كبيرة ومتوسطة، وطمرتها إلى الأبد. بالطبع كانت الحكومات تتدخل في نهاية المطاف لتوفير الحماية للمتضررين. وفي بعض الحالات قامت هذه الحكومات بـ "تأميم" شركات بعينها منعا لاضطرارها إعلان إفلاسها، وتيسيرا لعملائها، ولاسيما أولئك الذين يحتاجون حقا للتغطية المالية، من هذه الكارثة أو تلك. لا شك في أن الإدارة الأمريكية تدرس كل الخيارات في مسألة الأعاصير التي ضربت البلاد (ولا تزال) هذا الموسم. فالمسؤولية لا تتوقف هنا عند إنقاذ المتضررين، بل تمضي قدما إلى مرحلة تعويضهم خصوصا أولئك الذين كانوا يلتزمون بالحفاظ على بوالص تأمين لمثل هذه الأوقات العصيبة. وشركات التأمين الأكثر براعة، هي تلك التي استطاعت أن توزع المخاطر على أكبر عدد من الجهات التأمينية. صحيح أن أرباحها ستنخفض، لكنها تضمن على الأقل الاستمرار بصورة طبيعية لأطول فترة ممكنة، ولمواجهة مزيد من الكوارث الطبيعية التي لن تتوقعها، وإن فعلت فهي ستفشل في تقدير أضرارها.
إنشرها