تحديات القيادة الأكاديمية

|
تتغير التخصصات وتتشعب مع مرور الزمن، ويبرز عديد من التحديات أمام القيادات الأكاديمية في مواكبة تلك التغيرات من ناحية داخلية أي داخل المنشأة أو خارجية، أي فيما يتعلق بالتنسيق مثلا مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، وكذلك التطور العلمي، والأهمية العلمية والأكاديمية لبعض التخصصات التي قد لا تجذب أسواق العمل بشكل كبير. وهنا يطرح تساؤل كبير عن دور الجامعة: ما هو دور الجامعة؟ وكيف تلعب سياسات افتتاح وإغلاق الأقسام دورا في مستقبل الشباب؟ وما أهمية التنسيق والربط بين أعداد المقبولين في التخصصات المختلفة وبين حاجة سوق العمل؟ وكيف يتم ردم الفجوة بين المجال الأكاديمي ومجال التدريب؟ تظهر في الكليات العالمية بشكل مستمر تخصصات غير تقليدية ومتداخلة ومتنوعة، وبالتأكيد أن تلك التخصصات لها علاقة بالوضع الاقتصادي والتقني والمعلوماتي للدولة، لكن هذا يشير كذلك إلى أن المجالس العلمية مثلا أو المجالس العليا، يشارك فيها من أصحاب الخبرة ورجال الأعمال والصناعة والزراعة وغيرهم، لأن كل خبرة جديدة في حاجة إلى معرفة لتستطيع أن تحتضن الشباب الخريجين الذين يوازون المرحلة المعرفية لتلك التقنيات أو الصناعات. لا شك أن القيادات الأكاديمية لديها من القضايا الداخلية التي تشغلها، وقد تأتي كذلك على حساب الزمن الذي يجب على تلك القيادات إمضاءه في التفكير والمراجعة والإبداع وفحص التجارب المختلفة، والربط بينها وبين الواقع الثقافي والاقتصادي والاجتماعي للدولة. من أمثلة تلك القضايا التي تضخمت ما يتعلق بالجودة، ولا سيما أنها تحولت إلى كمية أوراق ضخمة تقضي على كل وقت يمكن للأكاديمي أو المعلم قضاءه في الإبداع والقراءة أو حتى القيام بعمله فأصبحت حتى الجهات الأكاديمية منشغلة بتلك الأوراق التي لا حصر لها. من التحديات للقيادات الأكاديمية كذلك افتتاح التخصصات الجديدة والدمج لتخصصات أخرى. هناك دائما معضلة التخصص النادر، لكن هذا التخصص النادر لا يمكن أن يتقبل إلا عددا محدودا جدا ولذلك ـــ أسفا ـــ تقوم بعض الجامعات بإغلاق تلك التخصصات أو تنزيل الشهادة من بكالوريوس إلى دبلوم كمثال. تعتبر كذلك المهارات والمعرفة ذات التخصصات المتعددة سمة من سمات المستقبل، ولذا فإن التقليدية والأطر الجامدة لا تتماشى مع روح العصر، حيث لا يمكن فصل التخصصات عن بعضها في عالم اليوم حين تؤثر السياسة مثلا في الاقتصاد، ويؤثر المناخ في الأمن ويؤثر الإعلام في السياسة وهكذا، ولذا فإن وحدة التخصصات أمر قد تخطاه الزمن، ليصبح عالم الأعمال مثلا والمستقبل المهني يتطلب مهارات تحليلية مثلا في إدارة المشاريع، ومالية، وكذلك مهارات لغوية أو أدبية ومعرفة جغرافية في آن واحد، وبالتالي أصبح من التحديات المهمة أن تؤمن القيادات الأكاديمية بأهمية تداخل التخصصات وأن عالم اليوم أصبح موسوعيا أكثر من أي وقت مضى، لا سيما مع توافر الإنترنت وأجهزة الهواتف الذكية، التي تستطيع خلال أقل من 20 ثانية، البحث في أكبر الموسوعات والمراجع العلمية. لم تعد إذا كمية المعلومات أو الحصول عليها هي الإشكالية بل التحليل والمنهجيات المتعددة واتخاذ القرار بعد ذلك هي ذات الأهمية وبالتالي ينعكس هذا على أنماط التعليم والمهارات التي ينبغي للدارس الحصول عليها. يتجلى كذلك في فكر القيادات الأكاديمية البحث العلمي ومخرجاته، وإنتاج البحث العلمي في حد ذاته أمر حسن، ولكن الآن ربط تلك المخرجات مع مسرعات الأعمال أو مراكز الأبحاث ودعم اتخاذ القرار هو ما يجب الحرص عليه، ولذا فإن معايير البحث العلمي، يجب أن ترتبط مثلا ببراءات الاختراع والمجلات المصنفة، وبعد كذلك كيف تسهم فعليا في إيجاد فرص عمل حقيقية أو صياغة سياسات محددة، بحسب المجال والتخصص، ومن هنا يجب إنشاء مسرعات أعمال في كل جامعة وكلية، تحول البحث ونتائجه بشتى تخصصاته إلى منتج ومحتوى يمكن بعد ذلك أن يتحول إلى فرصة عمل. ختاما، من المهم على القيادات الأكاديمية كذلك التواؤم مع التغيرات الاقتصادية والسياسات التي تم إقرارها أخيرا لا سيما ما يتعلق بالعمالة الوافدة وفجوة المهارات، وكيف يمكن ردم تلك الفجوة، وكيف تشارك الجامعات في مفهوم التدريب، مع التعاون مع أصحاب المصلحة مثل المؤسسة العامة للتدريب المهني وقطاع الأعمال لمحاولة سد تلك الفجوات بين التعليم والتدريب، ومواكبة لـ "رؤية 2030" وما تحويه من تفاصيل تحتاج بعد ذلك إلى أن تتناغم المنظومة التعليمية من أجل الوصول إلى أفضل استثمار لرأس المال البشري، وبالله التوفيق.
إنشرها