وصف الواقع اقتصاديا لا يعني لزوم تبنيه

|
في عالم الاقتصاد، يحاول المتخصصون تصوير أو وصف وتفسير الواقع الاقتصادي وما يبنى على هذا الوقع، استنادا إلى أسس مسَلَّم بها، على رأسها كون الموارد في الدنيا لها حد، ورغبات البشر وحب الدنيا ليس لهما حد. من الأمثلة في بلادنا توقع ارتفاع الأسعار، وزيادة الهجرة إلى المدن الكبيرة مع قرارات التوسع القوي في إنفاق الحكومة ومشاريعها خلال سنوات مضت. ويعتمد مدى تحقق هذه التوقعات على طبيعة الأوضاع والظروف المحيطة. هذا التوقع لا يعني بالضرورة رغبة أو عدم رغبة في وقوع هذه التوقعات. وزيادة في التوضيح، في منهجية البحث الاقتصادي مسلكان: المسلك التقريري positive economics والمسلك المعياري normative economics. المسلك الأول التقريري أو الإيجابي يقوم على أساس وصف وتفسير ما هو كائن وكيف كان، بغض النظر عن الميول نحوه؛ أي الرغبة فيه أو عنه. وهذا الوصف والتفسير يساعد على فهم ما يرى أو ما يتوقع أنه سيكون مستقبلا. وهذا المسلك التقريري يستند على أسس أو أصول مسَلّم بها، وبنيت على هذه الأصول النظرية الاقتصادية في فهم السلوك الاقتصادي. وتأتي بعد البناء النظري خطوة بناء أدوات قياسية تساعد على تطبيق النظرية على البيانات لاستخلاص نتائج أدق من القراءة البسيطة للأرقام، إلا أنه ليس من الضروري الوصول إلى أوصاف وتفسيرات صائبة، فالإنسان ليس معصوما عن النقص أو الخطأ. والمسلك الثاني المعياري أي الحديث عما ينبغي أنه كان وما ينبغي أن يكون. وهذا شأن عام يشترك فيه كل فئات المجتمع. المسلكان لهما أصل في اللغات؛ فالمسلك الأول من قبيل الكلام الخبري، والمسلك الثاني من قبيل الإنشاء. وزيادة في التوضيح، الكلام إما خبر وإما إنشاء. "كما هو موضح في علم المعاني، أحد علوم اللغة العربية وبلاغتها". فالخبر "من حيث هو دون نظر لقائله" ما يحتمل لذاته أن يحكم عليه بالصدق أو الكذب. أما الإنشاء فيعبر عن طلب أو رغبة، كقولنا "أفعل كذا" أو "نوصي الحكومة بأن تفعل كذا"، وقولنا "لعل السماء تمطر". تصوير وتفسير السلوك الاقتصادي "ويدخل في التفسير التعليل، ويبنى على التفسير تنبؤ ماذا سيحدث مستقبلا" من قبيل الخبر. أمثلة: - الإنسان أناني، يقدم مصالحه على مصالح غيره. - في ظروف زمانية ومكانية محددة، يرتفع الطلب عند انخفاض الأسعار. - اشتد البرد وأتلف أكثر الخضراوات المزروعة، فمتوقع أن يقل العرض، ويرتفع السعر. وردت نصوص تخبر عن سلوكيات وطبائع اقتصادية في الناس، مثل قوله تعالى "وتحبون المال حبا جما". كلام الله سبحانه يصور سلوكا اقتصاديا، وهو تصوير يدرك أيضا بالعقل. ولذا فإن الآية لا تعطي حكما شرعيا؛ أي لا يصلح أن يقال، مثلا، أن حب المال حلال أو حرام. باختصار، تصوير أو تفسير الوقائع الاقتصادية وتوقع ما تؤول إليه الأمور لا يعني بالضرورة رغبة في أن تكون الأمور كذلك. وبالله التوفيق.
إنشرها