تعظيم منافع الحج

|
للحج قيم روحية ودينية عظيمة، فهو ركن الإسلام الخامس وتلبية لدعوة أبي المسلمين إبراهيم - عليه السلام - فيه تغفر الذنوب وتمحى الخطايا وتستجاب الدعوات. يبذل معظم المسلمين الغالي والنفيس للقيام بهذه الشعيرة وإتمام أركان الإسلام المطالب بها كل مسلم، حيث يوفر بعضهم لسنوات طويلة ليتمكن من الوصول إلى مكة ويلجأ آخرون حتى لبيع مساكنهم ليحجوا بيت الله الحرام. ولكن أهمية الحج الدينية لا تمنع استفادة الحجاج وسكان الديار المقدسة من تحقيق منافع أخرى عظيمة. ومن أول هذه المنافع انصهار المسلمين من أرجاء الأرض كافة ومن جميع الأعراق والأجناس في بوتقة الحج، حيث يتشكل خلال فترة الحج مجتمع مسلم واحد يسوده السلام، وتنتشر في أرجائه المودة والبذل والإحسان، وتذوب فيه الفوارق وتنصهر فيه أطياف البشرية بكل تفرعاتها في بقع جغرافية صغيرة تعلمهم أن الناس أمة واحدة، وتتيح لهم التعايش والتعرف على بعضهم البعض. ويا ليت المسلمين من حكام وشعوب شيبا وشبابا ونساء ورجالا وعلماء وأفرادا في كل أرجاء المعمورة يعيشون مشاعر وتجربة الحج في منازلهم ومدنهم وبلدانهم، حيث يمثل الحج فرصة سانحة كل عام لنشر المودة بين المسلمين والتعالي على الخلافات والتشاحن بينهم ونصرة المظلومين ودعم الضعفاء والمحتاجين منهم. يجلب الحج والعمرة ووجود الأماكن المقدسة لهذه البلاد منافع وفوائد عظيمة من أبرزها البركات التي تحل عليها، وتفردها بشرف خدمة الحجاج ورعاية الأماكن المقدسة، واكتسابها مكانة روحية خاصة لدى جميع المسلمين. إضافة إلى ذلك يولد الحج والعمرة فرصا اقتصادية لسكان هذه البلاد والقادمين إليها، حيث يرتفع الطلب على السلع والخدمات المحلية بشكل كبير في المناطق المحيطة بالأماكن المقدسة. ومن أبرز المستفيدين المحليين من منافع الحج قطاع الضيافة من فنادق وأماكن الإيواء السياحي الأخرى وخدمات تقديم الطعام كالمطاعم وما شابه ذلك. ومن أكبر المستفيدين كذلك قطاع تجارة التجزئة في الأماكن المقدسة والطرق المؤدية إليها، حيث يرتفع الطلب بشكل حاد على الأغذية والملابس وباقي السلع والهدايا الخاصة بالحج، كما يستفيد قطاع النقل بشكل كبير خصوصا النقل الجوي ثم البري والبحري. تستفيد أيضا قطاعات أخرى من الحج كتجارة المواشي وقطاع الخدمات السياحية المصاحبة للحج وأهمها حملات الحج ثم خدمات زيارة الأماكن المقدسة والآثار الإسلامية العريقة. كوسيط في كل الأنشطة الاقتصادية، يحقق القطاع المصرفي من خلال خدمات الصرافة والتحويلات وباقي الخدمات المصرفية أرباحا جيدة من تعاملات الحجاج والمعتمرين. وعموما تولد أنشطة الحج والعمرة كثيرا من الوظائف في مكة والمدينة والأماكن والطرق المؤدية لهما. في المقابل يستفيد بعض الحجاج القادمين من الخارج بعض الشيء من الحج من خلال جلب وتسويق السلع التي تشتهر بها بلدانهم. يتجاوز عدد حجاج الخارج مليون ونصف المليون حاج وقد يصل إلى مليونين تقريبا كما قد يتجاوز عدد الحجاج من داخل المملكة نصف مليون حاج. ويقارب عدد المعتمرين من خارج المملكة سبعة ملايين معتمر ولا يعرف بالضبط عدد المعتمرين من داخل المملكة ولكنه كبير، وقد يقارب عدد المعتمرين من الخارج أو يزيد عليهم. من ناحية أخرى توجد بعض التقديرات لإيرادات الحج والعمرة والقيمة المضافة الناتجة عنهما، ولكن معظمها تخمينية ولهذا يصعب تحديد التأثير الاقتصادي للحج والعمرة في اقتصاد المملكة بشكل دقيق، ولكنه تأثير إيجابي في النشاط الاقتصادي الكلي وفي قطاع التجارة الخارجية. لا تتوافر إحصاءات بشكل علمي لعدد الوظائف التي تتولد نتيجةً للحج والعمرة، ولكن عديدا منها موسمي، كما تتركز في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمناطق المحيطة بهما. لا شك أن هناك مجالا واسعا لزيادة الاستفادة من الحج والعمرة وتعظيم النشاط الاقتصادي الناتج عنهما وزيادة فرص التوظيف والدخل للمناطق المتأثرة بالحج والعمرة. ولعل زيادة الاستثمار في البنية الأساسية في المناطق المقدسة من أبرز المساهمين في تنمية موارد الحج، حيث يمكن زيادة الطاقة الاستيعابية للمشاعر المقدسة والحرمين الشريفين، والطرق ووسائل المواصلات والاتصالات، وأماكن الإيواء وذلك لتحفيز معدلات نمو عدد القادمين من الخارج وبقائهم لفترات أطول. من الملاحظ أن هناك فرقا كبيرا في عدد أماكن الإيواء السياحي وخدمات الضيافة الأخرى كخدمات تقديم الطعام بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، ما يبرز الحاجة إلى زيادتها في المدينة المنورة والطرق المؤدية إلى الأماكن المقدسة لتمكين أعداد متزايدة من زيارة المدينة المنورة وكل المناطق الأثرية والمقدسة. من الوسائل التي ستزيد الجذب إلى الأماكن المقدسة تطوير وسائل النقل العام وخصوصا القطارات السريعة بين المدن المقدسة والمطارات والمدن الأخرى. إضافة إلى ذلك ستساعد المراجعة المستمرة لأنظمة تأشيرات الحج والعمرة بما في ذلك تسهيل الحصول عليها وزيادة مدتها في تعظيم الإنفاق السياحي للحجاج والمعتمرين. ولزيادة تبادل السلع والخدمات يمكن دراسة إمكانية إنشاء مناطق تجارة حرة في المناطق المقدسة أو قريبا منها لتشجيع الحجاج والمعتمرين على التسوق وتوفير خدمات الشحن والخدمات المالية المصاحبة لتبادل السلع وشحنها لبلدانهم وتشجيع تجارة إعادة التصدير. كما يمكن الاستفادة من مواسم الحج والعمرة في زيادة فعاليات المعارض التجارية والمؤتمرات والندوات العلمية والثقافية والمتخصصة، وكذلك توفير مزيد من الخدمات السياحية كزيارة الأماكن الأثرية والخدمات الطبية السياحية والخدمات المالية المتنوعة.
إنشرها