ذكاؤهم الاصطناعي وحبنا للرياضيات

|
في الثمانينات والتسعينات الميلادية كان مصطلح الذكاء الاصطناعيArtificial Intelligence (IA) يذكر ضمن صفحات نظريات المستقبل في مجلات العلوم الترفيهية وبعض الأوراق العلمية الاستشرافية. أما اليوم، وبعد نضج الطرح العلمي والممارسات الصناعية لفكرة "الروبوت" الذكي وتحولها من افتراضات ونظريات إلى أشكال جديدة من التطور البشري القابل للممارسة، تحول استخدام المصطلح إلى واقع عملي مختلف. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد فكرة وإنما تقنية عملية تدرس في الجامعات وتستخدم تطبيقاتها بشكل حقيقي في منتجات يصنعها الإنسان لخدمة الإنسان. تعمل الرياضيات في هذه الممارسات الإنسانية الجديدة عمل الماء في الحياة، فهي الأساس الذي تبنى عليه كل فروع البرمجة بما فيها الذكاء الاصطناعي. أقتطف مقولة لأحدهم يقول فيها "تطبيقات الرياضيات الحديثة وعلوم البرمجة فروع متداخلة في شجرة كبيرة هي الرياضيات نفسها". لهذا ننظر إلى القدرات الشخصية في باب مثل الرياضيات اختبارا لفرصتنا مع الذكاء الاصطناعي. يعود البعض بالذكاء الاصطناعي إلى ابتكارات العالم المسلم "الجزري" في القرن السابع الهجري وقاربه المشهور الذي دمج فيه تفاعل الماء بالموسيقى مع آليات العمل الذاتي الميكانيكي. واليوم نرى الذكاء الاصطناعي في صورة سباق علني محموم بين شركات العالم الجديد. تضاعف زخم الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق ولم يعد حديثا مستقبليا كما كان، بل بتنا نرى الحديث عنه في شكل بيانات صحافية لشركات كبرى من "فيسبوك" و"أبل" و"تسلا" و"أمازون". ولم تعد صورتنا الذهنية عن الذكاء الاصطناعي بنفس الشكل الذي روجت له هوليوود بل أصبحت هناك أشكال مختلفة من الأتمتة والفهم التي تقدر عليها الآلات، كالمنزل والمساعد الذكي واكتشاف وإعادة عرض التفضيلات الشخصية وتقصي الحقائق واكتشاف نمط الاختلاسات وبالطبع التنقل بالسيارات الذكية، إضافة إلى كم من التطبيقات الصناعية والفنية التي لا حصر لها. السؤال الذي نطرحه هنا: أين نحن من هذه الابتكارات التي تغير من وجه البشرية كل يوم؟ يعد الفارق بيننا وبين ما يحصل عالميا فارقا ضخما، لكن الأمر الإيجابي أن محاولات استقطاب التقنية باتت أكثر جدية من أي وقت مضى. المشكلة في نظري التي تقف كعائق كبير على مستوى القدرات الشخصية ترتبط بثقافتنا تجاه العلوم الأساسية التي تؤسس لهذا النوع من التطبيقات. لو قمنا افتراضا بتأسيس بناية كبيرة وعقدنا شراكة مع جهة عالمية وتكبدنا تكاليف إدارة المشروع لسنوات فإن هذا لا يكفي لكي يملك الفريق المحلي الرغبة القوية جدا والاحترام الكافي لعلم مثل الرياضيات. لا يمكن أن يصنع الإنجاز وهناك فارق كبير جدا في بيئة معلمي الرياضيات وبيئة ممارسي تقنيات الحاسب، أو فارق جوهري في مجموع مهاراتهم الشخصية واهتماماتهم المشتركة كحلقتين مكملتين لبعضهما بعضا. لا يمكن أن يولد الشغف الشخصي والمؤسسي تجاه إنتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي وهناك ازدراء شبه جماعي لمادة مثل الرياضيات في مختلف مراحل دراستها، من الابتدائية حتى الجامعة. يحدثني أحد مرشدي الأعمال عن استغرابه من تناقض قوي يراه في كثير من مؤسسي المشاريع التقنية، هناك من يحب البرمجة ويكره الرياضيات ويعشق الابتكار ولا يستمتع بالقراءة. يعد مثل هذا التناقض سببا أساسيا لتحديات القدرات التي يواجهها هؤلاء الشباب ولا يعرفون مصدرها، ولا أستبعد أن مثلها يحدث في بيئات أكثر ترتيبا كالشركات الكبرى. من يتابع عن قرب تفوق الطلبة السعوديين في تحديات الرياضيات العالمية يعرف أن للاهتمام المبكر تأثيرا ساحرا في النتائج النهائية. ويعرف كذلك بشكل قاطع للشك أن العقول السعودية يمكن أن تتميز على المستوى العالمي في أي مجال متى ما أتيحت لها الفرصة، وتجارب المتفوقين والموهوبين الموثقة خير مثال. لكن لا يمكن الاعتماد على مثل هذه الأنشطة لحل مشكلة التأسيس العلمي الشامل وربطه بالممارسات العالمية المتجددة. يملك بعض معلمي الرياضيات مهارات تسويقية ترغب طلبته فيما يتعلمونه – وهذه مهارة يجب على كل معلم أن يملك منها قدرا وافرا – ومثله يربط بطرق لطيفة بين معادلاته وبين تطبيقاتها المتجددة، ويربط طلابه في نهاية الأمر بين فعل الدراسة وبين قيمة ما يدرسونه. طبعا مثل هذا المعلم نادر بعض الشيء ولا يرغب ربما أقرانه من المعلمين في القيام بذات الشيء. في نهاية الأمر يظل مقدار الخسارة كبيرا جدا، خصوصا عندما يولد الطموح متأخرا لدى الشاب، ويكتشف أن العقبة التي يواجهها مرتبطة بفراغ سابق صنعته الظروف ولم يكن فعلا يكره مادة مثل الرياضيات، كما كان يظن! تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي ليس أمرا مستحيلا، لكن التحدي كبير. ليس بالضرورة أن نتغير بامتلاك شركة مثل "تسلا" تغير من شكل العالم، وواقعيا، احتمالات وجود نسخة محلية المولد عالمية التأثير من "فيسبوك" ضعيفة جدا. يمكننا مثلا إعادة تصدير التقنيات المبتكرة أو على الأقل تخصيص الحلول الموجود لاحتياجاتنا المحلية. هذا الأمر متروك للاستراتيجيات الوطنية المختصة بالتقنية وما تضعه من مبادرات. لكن تقدير العلوم الأساسية على المستوى المجتمعي شرط أساسي لأي مبادرات هنا، وهذا ما أتمناه أن يحصل للمقاربة بين واقع القدرات الشخصية وصدى أخبار الذكاء الاصطناعي، التي بتنا نسمعها كل يوم.
إنشرها