الثقافة المهنية.. حلول للجميع

|
تقدم إليّ أحد الشباب باحثا عن مرشد يساعده على تقييم مشروعه وتذليل بعض التحديات التي يواجهها. في العادة نبحث لمثل هذه الحاجات عن المرشدين التجاريين حسب تخصصاتهم، فهناك التقني والتسويقي والمالي وهناك من يرشد فقط في قطاعات محددة حسب خبرته. المشكلة أن هذا الشاب الذي يطمح إلى أن يكون ريادي أعمال ناجحا، ويصف نفسه كذلك من باب التفاؤل، يقود حملة شخصية ضد الوظيفة والموظفين داعيا من يستطيع أن يترك وظيفته ويتحرر من القيود الحياتية التي تصنعها الوظيفة. نتائج هذه الحملة التي يتبناها قولا وفعلا على أداء مشروعه كانت واضحة للمرشد. ينظر هذا الشاب للوظيفة على أنها القيد الذي سيدمر إنتاجيته الكامنة ويخفي إبداعه الاستثنائي، ستقوده الوظيفة - حسب وجهة نظره - إلى رتابة قاتلة لن يتخلص منها إلا عن طريق مشروعه المبتكر. كل ما يرتبط بالوظيفة من ممارسات مهنية معتبرة هي عنده مجرد طقوس تستحق التجاهل! ولكنه في الواقع واجه عكس ما ينادي به، لقد وجد أن فكرة مشروعه الرائعة التي تحقق منها بأكثر من طريقة لا يمكن تنفيذها بالشكل المطلوب، عندها عرف، بعد التجربة وتأكيد مرشديه، أن ما ينقصه هو مجموعة من الممارسات المرتبطة بالثقافة المهنية الشخصية الجيدة. يقول له المرشد: كي تنفذ مشروعك وتحكم إيقاع فريقك يجب أن تبدأ بنفسك. لن يمنعك أحد من البحث عن مزاجك العالي في الفوضى الخلاقة أو ممارسة أسلوبك "الكاجوال" في يومياتك الريادية. ولكن هذا لا يعني أن تفتقد الانضباط أو التخطيط أو تفتقد أعمالك ترتيبا واضحا ومدروسا. هناك دائما فرصة للتعديل والمرونة، الهرب من الركود والرتابة لا يعني أن نترك الترتيب. أن تكون ضد الوظيفة لا يعني أن تفقد حسك الزمني، أو تتجاهل مهارات إدارة الوقت والبحث عن العادات الناجحة والروتين الفعال، ولا يعني طبعا أن تترك مؤشرات الكفاءة والفاعلية التي تلائم أهدافك. أن تكون ريادي أعمال ناجحا لا يعني أن تتجاهل صناعة مسار وخطة مهنية تناسبك. التجارة لا تبعدك عن الإطار الأخلاقي المهني الذي ستلتزم به حتى لو كنت موظفا، والحرية الحلم هي نتيجة للنجاح المهني بغض النظر عن مصدره، وظيفة أو مشروعا. ومثل مؤسس المشروع هناك المعطاء المتطوع الذي يقضي جل وقته في العمل الخيري، حتى لو كان قضاء الساعات عنده مجرد نشاط جانبي فهذا لا يعفيه من الالتزامات المهنية المرتبطة بهذا القطاع. وكذلك الهوايات التي يتعمق فيها محبوها، نجدهم يصنعون بروتوكولات وقواعد لا ينبغي الخروج عنها تميز الممارس الجيد من الممارس الذي لا يحترم غيره ونفسه. على الرغم من أن ممارس الهواية هو في الأساس مجرد هاو ولا يعد محترفا لها، إلا أن الالتزام بأدبيات الفن الذي يقوم به سواء كان غوصا تحت سطح الماء أو طيرانا في الهواء يحسن من فرص سلامته وبراعته واستمتاعه به. لا تنحصر الآثار الإيجابية للثقافة المهنية الجيدة على مؤسسي المشاريع ورواد العمل الخيري وأصحاب الهوايات فقط، فكل من المربي داخل الأسرة، والمؤثر الاجتماعي والمشارك في أي نشاط جماعي يستطيع أن يعظم من نتائج أعماله إذا امتلك قدرا جيدا من الثقافة المهنية الرفيعة. إذا أردنا المقارنة هنا وفهم الصورة بشكل واضح جدا فلنقارن تطور أسلوب تربية الأبناء وسرعة تحسن النتائج بين الأب الذكي عاطفيا المنضبط سلوكيا الذي يتقن مهارات التعلم السريع المنفتح على التغيير وهو في الوقت نفسه متمسك بقيمه ومبادئه، وبين أب آخر نقيضه تماما في القدرات والممارسات. قد لا نجد تعريفا محددا للثقافة المهنية ولكن نحن نتحدث إجمالا عن الإلمام بالمعارف والمهارات، التي توثق من ارتباط الشخص بالمهن وتساعده على النجاح في أماكن العمل. نرى لدينا اليوم توجها واضحا نحو التعليم المهني سدا لفراغ الثقافة المهنية، خصوصا المبكرة. وكما أشارت "الرؤية": "نتعلم لنعمل". العمل لا ينحصر بطبيعة الحال في الوظيفة، وإنما في تسيير حياتنا بشكل منتج في جميع مناحيها. لهذا كان التواصل الفعال، والانضباط الحياتي، وإدارة الثروات (مالا ووقتا وجهدا) والالتزام الأخلاقي والتعلم الذاتي من أساسيات الثقافة المهنية التي تقدم حلولا للجميع في كل وقت وكل مكان.
إنشرها