هل يؤدي «خروج بريطانيا» إلى إعادة النظر في الاتحاد الأوروبي؟

|
صادقت إيرلندا والتشيك في عام 2009 على اتفاقية ليزبون التي تم التوقيع عليها في عام 2007 من قبل دول الاتحاد الأوروبي، لتدخل الاتفاقية حيز التنفيذ في ديسمبر 2009. وبموجب ذلك، حلت الاتفاقية محل اتفاقيتين مهمتين وتاريخيتين بالنسبة للاتحاد هما: اتفاقية الاتحاد الأوروبي التي تم التوقيع عليها في ماسترخت عام 1972، والثانية اتفاقية تأسيس الجماعة الأوروبية التي وقعت في روما في عام 1957 والتي كانت الأساس الذي قام عليه الاتحاد الأوروبي. وكانت المخاوف قد تزايدت في ذلك الوقت بين قادة الاتحاد الأوروبي من أن تصوت إيرلندا بـ (لا) على الاتفاقية مرة أخرى بعد أن رفضتها في عام 2008، إضافة إلى المخاوف من أن يتم رفضها في التشيك، حيث ينشط معارضو الاتفاقية لإحباطها وعلى رأسهم آنذاك الرئيس التشيكي فالكاف كلوس. وجاءت اتفاقية ليزبون نتاج سنوات من العمل بين دول الاتحاد الأوروبي الـ 28، وكانعكاس لفشل التصويت على الدستور الأوروبي الذي رفضته كل من فرنسا وهولندا، الذي كان نقطة سوداء في تاريخ الاتحاد، حيث ساد شعور بصعوبة التقارب السياسي بين دول الاتحاد. لذلك كانت هذه الاتفاقية وسيلة لإزالة أثر ذلك الفشل، وطريقة للانتقال بشكل مرحلي إلى عملية الاتحاد السياسي الكامل بين دول أوروبا. لكن على الرغم من ذلك فهناك الكثير من الانتقادات لهذه الاتفاقية خصوصا من دعاة الفيدرالية الأوروبية. حيث يتهم الكثير من المراقبين اتفاقية ليزبون في أنها السبب الرئيس في النتائج التي وصل إليها الاتحاد الأوروبي الآن، وظهور نزعات الخروج من الاتحاد خصوصا بعد نتائج الاستفتاء في بريطانيا الذي فاز فيه المناهضون للاتحاد الأوروبي. الكثيرون يرون أن اتفاقية ليزبون نزعت السيادة عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وبالتالي حرمتهم المشاركة في اتخاذ قرارات مصيرية بالنسبة لهم، خصوصا في قضايا الهجرة. والسبب في ذلك، أن اتفاقية ليزبون أحدثت تغييرا في عملية اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي، يتمثل في زيادة عدد الأصوات المطلوبة لتمرير القرارات، وفي الوقت نفسه وضع حد أدنى يتمثل في أربع دول تعترض على القرارات لكيلا يتم تمريرها. وهذا أدى إلى ألا تتمكن الدول ذات الكثافة السكانية العالية من الاعتراض على تمرير القرارات، وبالتالي وفر مرونة أكبر في عملية اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي. وبموجب ذلك، لم يعد بإمكان دول ذات كثافة سكانية عالية ومهمة مثل بريطانيا الاعتراض على تمرير الكثير من القرارات، ما خلق مشاعر معادية للاتحاد. وهذا الأمر يزداد صعوبة في ظل الصلاحيات الواسعة التي تملكها المفوضية الأوروبية، حيث تتميز بأنها جهاز يمثل الاتحاد الأوروبي بشكل مستقل عن الدول، ما يمنحه الحق في اقتراح الأنظمة والتشريعات الأوروبية ويملك صلاحيات واسعة في إدارة الاتحاد الأوروبي. وهذا ما جعل البريطانيين يتذمرون من هذه الصلاحيات الواسعة الممنوحة لجهاز لا يتمتع بالشرعية الديمقراطية ــــ حسب وجهة نظرهم ــــ كالتي تتمتع بها الحكومات المحلية. وهذه الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها المفوضية الأوروبية لم تكن نتيجة مفاجئة أو غير مدروسة، وإنما كانت نتيجة للتجاذبات بين فريقين: الأول يرى منح المؤسسات الأوروبية صلاحيات أوسع لتسهيل عملية تمرير القرارات وزيادة التقارب الاقتصادي والسياسي بين دول الاتحاد الأوروبي، وهذا الفريق تمثله الدول التي قادت تأسيس الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا. بينما الفريق الآخر يرى أن تكون هناك سلطات محدودة للاتحاد، وأن يكون هناك دور أكبر للسلطات المحلية، وتقود هذا الفريق بريطانيا. في عام 2004 نجح البريطانيون في إفشال مسودة الدستور الأوروبي عندما أعلن رئيس الوزراء آنذاك توني بلير طرح مسودة الدستور الأوروبي للاستفتاء في بريطانيا، ما دفع الدول الأخرى للقيام بالإجراء نفسه. وهذا أدى إلى موافقة عدد من الدول منها إسبانيا ولوكسمبورج على الدستور، بينما تم رفضه في فرنسا وهولندا، ولم يتم الاستفتاء عليه في بريطانيا لعدم الحاجة إلى ذلك في ظل رفض الأخيرتين. بريطانيا نجحت في إفشال مشروع الدستور الأوروبي، لكنها لم تنجح في إيقاف مشروع اتفاقية ليزبون التي أخذت الكثير من نصوصها من مشروع الدستور. لذلك، رفض جوردن براون آنذاك المشاركة في التوقيع الرسمي الجماعي على الاتفاقية ووقع عليها بشكل منفرد. بريطانيا كانت دائما ترى في المشروع الأوروبي شيئا مختلفا عن الآخرين، حتى على الرغم من دخول اتفاقية ليزبون حيز التنفيذ. وقد وصف رئيس المفوضية الأوروبية جونكر علاقة بريطانيا بأوروبا بأنها "ليست طلاقا.. ولكنها لم تكن أبدا علاقة حب". لكن بخروج بريطانيا فقد تكون استطاعت إحياء المطالبات لإعادة النظر في اتفاقية ليزبون والصلاحيات الواسعة للمفوضية الأوروبية، ما يعيد للأذهان ذكرى إفشال مشروع الدستور الأوروبي الذي كان لبريطانيا دور فيه.
إنشرها