المفاهيم الجديدة لرؤية 2030

سيكون يوم 25 أبريل أحد الأيام المهمة في تاريخ المملكة العربية السعودية، حيث أعلن فيه رؤية المملكة 2030 التي تمثل بداية لبرنامج تحول كبير يشمل عددا من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.
فالتحول الذي أعلن عنه - لا يتمثل فقط في البرنامج الاقتصادي الطموح الذي أقره مجلس الوزراء وقاد بناءه ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز - ولكنه يشمل تحولا كبيرا في المفاهيم التي عشنا عليها وعاشت عليها الدولة خلال فترة طويلة من الزمن، من النفط والريع الناتج عنه، إلى الاستثمار والريادة في عدد من المجالات التي شملتها الرؤية.
كلمات كبيرة أطلقها الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه الذي دام قرابة الساعة وتميز بالعفوية والصراحة وأبرز بشكل واضح للجميع الفكر الذي قاد عملية تشكيل رؤية المملكة لعام 2030 وبرنامج التحول الوطني الذي سينفذ هذه الرؤية. ودائما العبرة ليست بالأقوال فقط ولكن بالأفعال والنتائج، وليست كل رؤية قابلة للتنفيذ إلا إذا كانت هناك إرادة صلبة وواعية للمعوقات التي ستواجهها في سبيل الوصول إلى أهدافها المرسومة. ولذلك، فإنه في سبيل نجاح رؤية السعودية 2030 يجب ألا نصفق لها فقط، ولكن يجب أن نتحداها من خلال الرأي غير المتحيز، سواء مع أو ضد، بما يكفل أن تحقق هذه الرؤية تطلعات الجميع: قيادة، ومسؤولين، وشعبا.
تستطيع كمسؤول أن تضع كثيرا من الأرقام وتعبر عن كثير من الطموحات الكبيرة، لكن أن تضعها موضع التنفيذ فهذا هو التحدي الكبير. والعودة لاستعراض كثير من خطط التنمية يعكس كثيرا من الأهداف العريضة التي تكررت تقريبا في جميع هذه الخطط، بما في ذلك أهم هدف وهو تنويع القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، لكن تنفيذها كان محدودا ولا يتناسب مع التحديات والطموحات التي يتطلع إليها القيادة والمواطن. والسبب في ذلك أن المفاهيم لم تتغير، وأننا كنا نعيد إنتاج الحكومة والمسؤول الذي يقود عملية تنفيذ هذه الخطط، بالمنهج نفسه، وبالأنظمة نفسها، وبالموارد نفسها. والواقع أن تجارب من سبقونا تؤكد أنه لا يمكن أن تتم إدارة عملية التغيير بالمفاهيم نفسها التي كانت سببا في فشل الخطط السابقة. لذلك، كانت الخطط والأهداف التنموية على مدى السنوات السابقة شيئا ثانويا في فكر المسؤول والمواطن والإعلامي. وهنا يمكن لكل سائل أن يسأل، خصوصا في ظل تجارب الخطط التنموية السابقة: لماذا تختلف رؤية السعودية 2030 عن سابقاتها؟ وهل يمكن وضعها موضع التنفيذ؟
ما يبعث على التفاؤل هو حجم الطموح الذي يدفع هذه الرؤية، حيث إنه في ظل اعتراف الأمير محمد بن سلمان بحجم التحديات المتمثلة في البطالة المرتفعة، وقضايا مهمة وعلى رأس أولويات الرأي العام كقضية الإسكان، إلا أنه أشار إلى أن (طموحنا سيبتلع هذه المشاكل). وما يميز هذا الطموح أنه يرتكز على مفاهيم جديدة للقيادة العليا التي تبنت هذه الرؤية، التي برزت جلية في لقائه مع قناة العربية. فإلى جانب شمول الرؤية لعدد من الأهداف الاقتصادية الطموحة والمتمثلة في زيادة تنافسية الاقتصاد السعودي، ونقله إلى أن يكون في إحدى المراتب الـ 15 على مستوى العالم من حيث الحجم، وزيادة الاستثمارات السعودية وجعلها مصدرا رئيسا من مصادر الدخل الوطني، وتخفيض معدلات البطالة وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل ورفع مستوى دخل الفرد. لكن هذه الرؤية ارتكزت أيضاً على خطاب تضمن عددا من المفاهيم الاجتماعية والاستراتيجية المهمة التي يتم تبنيها لأول مرة على مستوى أعلى من القيادة في المملكة ومنها التركيز على الشفافية ودورها في زيادة كفاءة الأجهزة والمؤسسات التي تملكها الحكومة كشركة أرامكو (إذا طرحت أرامكو.. ستكون تحت رقابة كل البنوك السعودية، وكل المحللين، والمفكرين السعوديين، بل كل البنوك العالمية ومراكز الدراسات والتخطيط في العالم). أيضا أهمية محاربة الفساد من خلال تخصيص كثير من الأنشطة الاقتصادية (لا أراقب، الشعب يراقب). وكذلك وهو المهم، التحول من دولة نفطية إلى دولة استثمارية تمتلك من خلال الذراع الاستثمارية لها المتمثلة في صندوق الاستثمارات العامة نسبة كبيرة من الاستثمارات في العالم (ستكون المملكة قوة استثمارية من خلال صندوقها الاستثماري). وهذا الأخير لا يعد تحولا في هيكل الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط فقط وما يتبعه من نتائج اجتماعية، ولكنه يعد تحولا استراتيجيا ستكون له أبعاد مختلفة خصوصا في دائرة العلاقات الدولية بالنسبة للمملكة.
إضافة إلى ما تقدم، فقد قدم الأمير محمد بن سلمان لغة خطاب جديدة تتناسب مع التطور الاجتماعي الذي شهدته المملكة ومع التحديات التي رافقت هذا التطور، خصوصا تلك التي تواجهها الفئات المتوسطة والأقل دخلا عندما قال: "نحن لا نحتاج إلى أن نستهدف متوسطي الدخل"، وتركز على أهمية التوازن في توزيع الدخل والأعباء بين طبقات المجتمع المختلفة. هذه القضية inequality هي إحدى أهم القضايا الاقتصادية المطروحة على أجندة السياسة الاقتصادية في العالم التي يعانيها كثير من الدول المتقدمة، ومثّل تفاقمها بالنسبة للدول المتقدمة سببا في تراجع معدلات النمو الاقتصادي وسببا في حدوث خلل اجتماعي واقتصادي فيها. لكن معالجتها تتطلب تصميم سياسات اقتصادية أكثر ذكاء تسهم في توزيع الأعباء والدخل بشكل يحافظ على نسق التوازن الاجتماعي، وفي الوقت نفسه يحقق الأهداف الاقتصادية للرؤية. وهذا الأمر سيكون أكثر تحديا في ظل تمتع المملكة حاليا بنظام رفاه اجتماعي يقدم كثيرا من الخدمات للمواطنين، والتحول عن هذا النظام سيؤدي إلى تأثر كثير من الطبقات المتوسطة والأقل دخلا. كذلك، تتمتع فئات الدخل المرتفع بكثير من المزايا الريعية التي سيكون من الصعب إزالتها أو التقليل منها. لذلك، فإن عملية إعادة التوزيع redistribution والتعامل مع تبعات الإصلاح على فئات الدخل المختلفة ستتطلب فهما واسعا بجوانب الاقتصاد السياسي political economy والاستفادة من خبرات الدول السابقة في التعامل مع ذلك.
وأخيرا، قد يطرح السؤال التالي: هل نحن في وضع يتطلب هذه الرؤية والتحول الوطني المرافق لها؟ الجواب قد يكون أسهل بطرح سؤال مغاير كما طرحه الأمير محمد بن سلمان وهو: ما حجم المخاطرة إذا لم نعمل شيئا؟" فالظروف الاقتصادية التي تشهدها المملكة حاليا والمتمثلة في تراجع أسعار النفط، والظروف الجيوسياسية، تتطلب أن يكون هناك مسار جديد للنمو الاقتصادي لتستطيع المملكة اللحاق بركب دول الاقتصادات الصاعدة، التي استطاعت الانتقال إلى مستوى جديد من الدخل، ويضعنا في موقع متميز ويعزز من مكانتنا في جانب العلاقات الدولية.
الرهان صعب، لكنه رهان يستحق المخاطرة لأنه الخيار الوحيد أمام دولة يمثل النفط 50 في المائة من حجم اقتصادها، و90 في المائة من إنفاقها، ولديها ما نسبته 70 في المائة من الشباب أقل من 30 عاما.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي