مؤلفٌ.. ميسور الحال!

|
* أهلا بكم في مقتطفات الجمعة رقم - 475 *** حافز الجمعة: لكل عصرٍ أهلُه.. فكرا، وطبيعة، ولغة. إن لَيْ مجرى أي عصر ليطابق عصر مضى ليس مستحيلا فقط، بل إن المحاولة ذاتها ستدعو حتما للجمود والتراجع. *** * كتاب الأسبوع: هاتفني أخي المهندس والكاتب في هذه الجريدة محمد بن عبد الله المنصور، بأن الكتاب بحوزته، وأنه سيوصله لأهلي، ونحن، هو وأنا، من عائلة واحدة. ولأن الكتاب وصل بهذه الطريقة فقد فتحته في لحظته على غير عادتي في التريث، متصورا أنه من الكتب العادية التي تصل ويعرف محتواها في الحال مجاملة، كي أقول للمهندس محمد وصل وقرأته أو بدأت في قراءته. على أن الكتاب فرض نفسه عليّ فرضا، وجمدني في مكاني، ولم أستطع أن أتوقف عن تقليب الصفحات، بل كأنها تقلب نفسها بنفسِها. الكتاب يشدك إخراجا وعنوانا، الإخراج قشيب وبسيط بلا ألوان وتهويمات وتغلب المساحة المفتوحة بخليط اللون الأزرق المريح للعين بلون خليط السماء وعمق الأزرق البحري. والعنوان بلون أبيض بارز جميل: ''جسر من ضوء''. مؤلف الكتاب ببساطة كتب قصة معيشته في جلاسجو المدينة الإسكتلندية الكبرى حين كان يدرس الدكتوراه.. ولم يدرسها لتحسين مستوى علمي أو مالي أو اجتماعي، بل حبا في العلم لذاته، فقد كان مديرا لأكبر شركات المملكة لمزارع الدواجن، وتعلم تطبيقات الكثير مما يفوق علم الشهادات، و''مستور الحال'' ماليا، ودرسها متأخرا وأصبحت له أسرة وأبناء، وهو الدكتور خالد بن سليمان الراجحي. والدكتور خالد صديق وأعرف عقله الاقتصادي العملي والأكاديمي المميزين، لكن لم أعلم أنه سيكون أيضا ساحر سرد. الكتاب عبارة عن فصول، كل فصل في صفحتين بالأكثر. فصلٌ يدعوك لإنهاء الفصل القادم لأنه قصير. يقدم الدكتور الراجحي في الكتاب رحيق خبرته في التعامل مع الجامعات في الدراسات العليا، ولا يقدمها بمسوح المعلمين والواعظين، ولكن في تيار قصة ممتعة تتشرب المعاني والمعلومات في الطريق تلقائيا، فتدور في نسغ معرفتك، وهناك فصل جميل أحببت لو توسع فيه، عن قراءة لشخصيات بعض من عرف في إقامته في جلاسجو. الكتاب ممتع ومفيد معا. ثم العبرة من الكتاب: لا المال ولا الجاه ولا خبرات الحياة تغني عن لذة العلم والتعلم. *** * شخصية العدد: من مدة طويلة وأنا أحب الحديث عن هذا الرجل، الذي لو وضعت له مفتاحا على طريقة شخصيات العقاد، لكانت عبقريته: الولع بالتطوير الإداري في القطاعات الإنتاجية. فهو إداري من سادة التطوير الإنتاجي في البلاد إن كان في إدارة مصنع كبير، أو غرفة تجارية ينقلها لإنتاج نفعي بداخلها، وبخارجها في قطاع الأعمال، وقطاع العموم. أو يدير دارا صحافية من أكبر صحف البلاد وأعرقها، ويطير فيها لأجواءٍ لم تكن لتحلم بها، تطويرا إداريا، وتقنيا، وأدائيا، وبشريا.. وربحيا، حتى أصبحت الدارُ التي يديرها وهي دار اليوم للنشر والتوزيع، من أنجح المؤسسات الاقتصادية ومن أسرعها نموا وابتكارا. وأقول إن هذا الإداري يتعدى إنتاجه للناحية الاجتماعية بصالونه الذي يصر على أن يكون صالونا معرفيا ومنتجا، وإلى العمل التطوعي والخيري والمدني الذي أيضا يريده منتجا، ومن طبعه اللازم الوفاء بالوعد، وتكريم دعوات من يدعونه كأهم أعماله. يوما تحدثت في مقال عن جائزة للأبطال العاديين في جريدة بريطانية، أصر على أن يصبغها بلوننا الاجتماعي والفكري لتُقدم كجائزة امتياز، ونعمل معا لجعلها واقعا بإذن الله. أما لماذا ترددت في الحديث عنه فلأنه أخي وصديقي، وقد تضع هذه العلاقة غشاءً على عينيَّ، ولكني توصلت إلى أن الحقيقة يمكن الاهتداء لها، وما زاد فاعتبروه من ومضات المحبة.. وأنا واثق أن كل معلومة كتبتها ستثبت سيرة الأستاذ صالح بن علي الحميدان - إن شاء الله - أنها ليست الحقيقة فقط.. بل الجزء الظاهر من الحقيقة! *** * حلمٌ تحقق: كلنا لدينا آمال منشودة وأحلام معقودة بأن اللغة العربية لها قابلية ومرونة للتطور ومجاراة رتم العصر الحياتي والعلمي والتجاري، بشرط أن نحقق ذات الشرطين اللذين أمَّل فيهما المفكر الرياضي الفيلسوف زكي نجيب محمود - رحمه الله، وأضعه في صف واحد مع البريطاني الشهير برتراند رسل، وهو تلميذه على أي حال.. الشرطان هما: أن نحتفظ بعبقرية لغتنا أدبيا أولا، والثاني أن تكون أداة توصيل عصري لا مجرد وسيلة لتلمظ المتلمظين. أقول يا دكتور زكي، فتياتنا وفتياننا وحالمونا في هذه البلاد حققوا ذلك في أول مؤتمر خطابة وفي كل أنواع الخطابة، باللغة العربية. *** * والمهم: دمشق قلعة من قلاع العربية الأولى.. وبإذن الله ستبقى!
إنشرها