في مقهى العمر

في مقهى العمر .. يخرج عام بعد أن يثير فوضاه و يأكل من القلب والذاكرة .. ويدفع للروح والعقل رصيد حكمة وقوة .. ويقبل آخر لينفض بقايا الأول .. قد يجلس مكانه وقد يختار مكاناً أفضل .. فمن منا يستطيع أن يرتب فوضى العام الراحل ليستقبل عام جديد بابتسامة ودودة ؟ ويودع عام راحل كحلم عابر .. كسحابة صيف .. كضيف مسافر .. حتى لو كان هذا الحلم يشبه الكوابيس أو هذه السحابة مثقلة بالهموم أو هذا الضيف ثقيلاً نكداً .. فأنهم جميعاً عازمون على الرحيل وجاء ساعي القدر ليودع رسالة أخرى غامضة في صندوق العمر .. علينا أن نلملم أنفسنا / أنفاسنا .. لنفتح سطورها الغامضة .. ونستجمع شهية الحياة .. شهية الحلم.. لنعيش السطور بحلوها ومرها. في رحيل العام الجاثم فوق صدورنا فسحة لتنفس الأمل رغم أنه سيهبنا ذاكرته لنعاين بها أجمل وأقسى اللحظات.. ففي بداية العام علينا أن نرتب صفوف الذاكرة و نضع نصب ذاكرتنا كل ما يومض بحياتنا الأمل والتفاؤل .. ونخفي في الأدراج كل ما يثير بأعماقنا الخذلان والإحباط .. رغم إننا في حاجة لنتذكر كم من الآلام تجاوزنا لنؤمن بقوتنا في تخطي كل الآلام .. للوصول للأحلام .. تلك الأحلام التي تتناقلها الأعوام مع مشاريعنا اللتي لم تكتمل وأفكارنا التي لم تنفذ .. ومساحاتنا التي لم تملئ بعد..فبين كل عام راحل و قادم .. جثث من الأحلام المؤودة .. ونبع من الأحلام المولودة .. وأخرى تنتظر مخاضاً صعباً لتحيى. وحده السعيد من يستطيع التخلص من ما يثقله منها و يمضي بما ينفعه.. بين عام و آخر.. أما التعيس فتتناقله أمواج العمر و لا يستطيع تغيير وجهة أحلامه و إعادة بوصلة حياته و إتجاهاته ليسلك درب نجاح آخر..فليس من الفشل أن تغير وجهة هدفك إنما الفشل هو الإصرار على سلك طريق خاطئ لإرضاء صوت الوهم بداخلك .. وقضاء الحياة على مائدة أحلام بائتة .. وفتات أمنيات لا تسمن ولا تغني عن جوع. فلنبحث بين كل عام و آخر عن أنفسنا من جديد.. نعيد إكتشاف ذواتنا .. ونضع أنفسنا في أماكن أخرى ونفتح أمام عقولنا أبواب جديدة .. فكثيرون جداً وضعوا "السعادة" نجوماً في سماء شاهقة.. لم تطالها أيديهم .. ولم تصلها أقدامهم .. لتتدلى منها خيبات وانكسارات. وآخرون وضعوا "السعادة" تحت أقدامهم وراحوا يتخبطون بحثاُ عنها يميناً و شمالاً و لو توقفوا قليلاً لأدركوا أن السعادة بين أيديهم لكنهم يحطمونها بأقدامهم في سعيهم الخاطئ لها .. فاللحظات الثمينة محيطة بنا فعلينا أن نغرق بعطرها قبل أن يخطفها الوقت.. و هكذا يجب أن نفصل أهدافنا .. وأحلامنا .. وخططنا المستقبلية التي توصلنا للسعادة .. على طول قامتنا .. فلا نشقى للقفز إليها .. ولا ننحني لالتقاطها !. وإن كان عامنا الماضي أثقلنا بقهوته المرّة ولم يضع بجيوبنا شيئا من السعادة .. فلنهيئ قهوة أخرى بسكر الأمل لعامنا الآتي في مقهى العمر فقد يفضلها "سكر زيادة".
إنشرها

أضف تعليق