«الجوفقر» .. تلك المصيبة الجديدة!

«لا تضيع وقتك في الأسئلة الاجتماعية. القضية الأهم بالنسبة للفقراء هي الفقر، والقضية الأهم بالنسبة للأغنياء هي عدم الفائدة».

الأديب الأيرلندي الساخر برناردشو

يعيش العالم منذ الانفجار الاقتصادي الكبير (استعارة من الانفجار المعروف فلكياً بـ Big bang الذي شكل زمناً نحياه الآن)، حالة فريدة من جملة الحالات العجيبة والمريرة التي فرضت أدواتها عن طريق تَسيُد عناصرها المشهد العام، والتحكم في كل تحولاته. حالة كانت قبل الانفجار (الأزمة الاقتصادية العالمية)، شيئاً افتراضياً لا واقعياً، شيئاً يدخل ضمن الاحتمالات البعيدة، لا في قلب المعطيات الواقعية! لكن الذي يزيل بعضاً من الاستغراب هو أن هذه الحالة جزء أصيل من وضع عالمي لم يتصوره أحد، حتى أولئك الذين كانوا يلعبون بـ «البيضة والحجر»، ويحتكرون «قداسة» الاقتصاد العالمي، ويكممون أفواه من يحاول أن يفهم ما كان يجري، فكيف الحال بمن كان يسعى إلى النقاش حول «الطبخات» الاقتصادية المقززة؟!
الحالة النادرة (تخفيفاً لكلمة فريدة) المولودة، هي تلك التي تشكلت نتيجة «كوكتيل» من الفقر والجوع! فعلى الرغم من التشابه الاقتصادي والاجتماعي لهما، إلا أنهما ظلا، حتى في عز الأزمات الاقتصادية العالمية التاريخية منفصلين في خانة واحدة، على اعتبار أن مصيبة الفقر كانت قبل الأزمة، أقل وطأة من بلاء الجوع .. لماذا؟ لأن في الفقر قد يتم العثور على كسرة خبز وشربة ماء، لكن في الجوع تختفي تلك «الكسرة» حتى في حلم الجائع، وتصل قيمة شربة الماء لديه إلى قيمة «لبن العصفور»! الآن .. ليس هناك فرق بين الجائع والفقير. لقد تمت الإطاحة بالمراتب المعيشية، فلم يصعد الجائع إلى مركز الفقير، بل هوى هذا الأخير إلى مرتبة الجائع، مع تطور قاتل هو أن كسرة الخبز خرجت من أحلام الاثنين معاً، ليعيش العالم في مواجهة «جيش» من الفقراء والجياع، يصل عدده إلى أكثر من ثلث المجموع الكلي للبشر! لا أحد يستطيع في ظل هذه المعطيات الجديدة والمتوالدة، أن يدعي أن سِلمْاً عالمياً آت في الطريق. ولا مكان لـ «الفذلكة» الاقتصادية. لأن الجوع على وجه التحديد، ليس مشكلة اقتصادية، بل مسألة ضمير، وأزمة أخلاق، لا تنفع معها البيانات، إلا إذا كانت هذه البيانات مادة مساعدة على العلاج. فنحن أمام قضية لنطلق عليها اصطلاحاً الـ «جوفقر»!
يقول الشاعر الأمريكي هاري كيمب: «إن الرجل الفقير (ومعه الجائع في الحالة الجديدة)، ليس هذا الذي لا يملك قرشاً واحداً، بل هو ذاك الذي لا يملك حلماً». ويقول معه الفيلسوف الروسي إيلي كاماروف: «الفقر مثل العقاب على جريمة لم تقترفها». لا أعرف إذا كان من المفيد أن نكرر الأرقام المريعة لحقائق الفقر والجوع, ولاسيما أنها مطروحة ومعادة، بنفس زخم الأغنيات الهابطة التي تبثها القنوات العربية. وللإشارة ــ لا التذكير ــ يموت في العالم حالياً طفل واحد من الجوع كل ست ثوان! وفي العالم نفسه (ما غيره) هناك 1.02 مليار جائع, ما يساوي شخصًا واحداً من كل ستة أشخاص تقريباً! وهذا لا يعني أن الأشخاص الخمسة الباقين يعيشون حياة رغيدة، ولا يأكلون إلا «المن والسلوى»! فبينهم اثنان على الأقل يعيشان على دولار أمريكي واحد، وبحد أقصى دولارين أمريكيين في اليوم الواحد، وبذلك انضما إلى الجائع الأول. وإذا كنا نتحدث عن ‘’عالمية’’ الجوع، فإن عدد سكان العالم سيصل إلى 9.1 مليار نسمة بحلول عام 2050، وهذا يتطلب زيادة في حجم زراعة الغذاء بنسبة 70 في المائة، بينما تعاني التنمية الزراعية الويلات. إن العدد الحقيقي للذين يعيشون في فقر مدقع يبلغ 1.8 مليار نسمة، وهذا النوع من الفقر، هو بالضرورة جوع قاتل.
وإذا كان «الجوفقر» حكراً على الدول النامية، فإن الفقر وحده ليس كذلك, فقد ظهر في مسح قامت به المفوضية الأوروبية، أن ما يقرب من 80 مليون شخص أو ما يوازي 16 في المائة من سكان دول الاتحاد الأوروبي يعيشون تحت خط الفقر ويواجهون عقبات خطيرة في الحصول على العمل والتعليم والإسكان والخدمات الاجتماعية والمالية. وللتدليل على مصداقية هذا المسح، فقد شمل أكثر من 27 ألف شخص يعيشون في دول الاتحاد. وهذا الفقر الأوروبي يعج بالبطالة وتردي الأجور عند 49 في المائة، فضلاً عن عدم كفاية المستحقات الاجتماعية ومعاشات التقاعد التي تقدر بنحو 29 في المائة، والتكاليف الباهظة لتوفير سكن لائق، التي تقدر بنحو 26 في المائة. وعلى الرغم من هذا التردي، إلا أن فقراء أوروبا مطمئنون، على أنهم لن ينضموا إلى «زملائهم» في الدول النامية, فالنظام الاجتماعي الحكومي الأوروبي، لا يزال ــ رغم بلاء الأزمة ــ قادراً على توفير الحد الأدنى المطلوب لـ «التَسْنيد» المعيشي، بما في ذلك الإمكانية المتاحة للاستدانة المحلية. غير أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق في حالة مئات الملايين من الذين يعيشون في الدول النامية. فحتى في أزمنة الازدهار، تعتمد هذه الدول على المعونات الخارجية التي تقلصت، فضلاً عن الاستثمارات الخارجية التي «هربت»، ومشاريع التنمية التي تقودها الأمم المتحدة، بما في ذلك مخططات معالجة الفقر والجوع والتعليم والصحة.
ولعل أهم ما يخص الدول النامية، هي «أهداف الألفية» التي وضعتها المنظمة الدولية مطلع القرن الجاري، والرامية إلى خفض عدد الجياع في العالم، في الوقت الذي تتعثر فيه وبصورة خطيرة، الخطوات نحو الحد من الفقر، وخفض معدلاته إلى النصف بحلول عام 2015. هذا إضافة طبعاً، إلى شلل المخططات الخاصة في وقف انتشار مرض نقص المناعة المكتسب «الإيدز»، وضمان حصول جميع الأطفال على التعليم الأساسي بحلول العام المذكور! والحقيقة المُرة، أن التعثر بدأ عملياً، حتى قبل اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. ويصف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الواقع الحالي بقوله: «إن التحسينات التي طرأت على حياة الفقراء، كانت بطيئة بشكل غير مقبول، وإن بعض المكاسب التي تحققت بشق الأنفس، تتأثر بأزمات المناخ والغذاء والاقتصاد». ولعلي أضيف إلى ما قاله الأمين العام، أن المكاسب ـ إن وجدت ـ تتأثر بفشل الدول الكبرى عن القيام بواجباتها واحترام تعهداتها والتزاماتها أيضاً، حتى إن كانت تعيش أزمة اقتصادية، هي من تسبب فيها، بسياسييها و»مُلهميها» الاقتصاديين.
إن «الجوفقر» ليست مسألة طارئة, إنها موجودة على الساحة الدولية، حتى في أوج الازدهار والنمو الاقتصادي، لكن الكبار تعاملوا معها ببُعد واحد فقط، وهو «البعد الاقتصادي»، لكن بُعدها الأهم، هو الإنساني والأخلاقي. لقد أسهم العلاج ضيق الأفق في سقوط الفقراء بأحضان الجائعين، بدلاً من أن يسهم العلاج، في رفع الجياع إلى مرتبة الفقراء، تمهيداً لتحقيق الأهداف التي وُضعت من أجل ألفية أكثر إنسانية. ألفية يفهم صناع القرار فيها حقيقة أن أسلحة الدمار الشامل، ليست فقط تلك المصنوعة من الحديد واليورانيوم، بل أيضاً من أجساد الفقراء والجياع، ومما تبقى فيها من دماء.
لن يأتي حل قضية «الجوفقر» المتفجرة إلا بالدوافع الإنسانية، أما الدوافع الاقتصادية، فتأتي في المراحل اللاحقة، عندما يكون في هذا العالم حد أدنى من الكرامة الإنسانية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي