تتجه هيئة السوق المالية السعودية إلى توسيع نطاق الإفصاحات المطلوبة من الصناديق الاستثمارية، بما يمنح المستثمرين قدرة أكبر على معرفة مصادر العوائد، وجودة الأصول، والمخاطر المرتبطة بها، إلى جانب تعزيز الشفافية في التعاملات التي قد تنطوي على تعارض في المصالح.
طرحت الهيئة مشروع تعديل لائحة صناديق الاستثمار ولائحة صناديق الاستثمار العقاري وقائمة المصطلحات المرتبطة بهما، لاستطلاع مرئيات العموم لمدة 30 يوما تقويميا، مستهدفة تطوير متطلبات الإفصاح وتوحيدها، وتحسين جودة المعلومات المتاحة للمستثمرين.
بمراجعة النصوص الحالية والمقترحة، يتضح أن المشروع لا يقتصر على إضافة إفصاحات جديدة، بل يعيد تنظيم متطلبات قائمة، ويوسع أخرى.
تكمن القيمة الحقيقية للمشروع في الانتقال من مجرد إتاحة المعلومات إلى تحسين قدرة المستثمر على استخدامها، فكلما أصبحت جودة العوائد والمخاطر وقرارات الإدارة أكثر وضوحا، أصبحت القرارات الاستثمارية أكثر استنادا إلى المعلومات وأقل اعتماداً على العائد المعلن وحده.
تعارض المصالح.. من الإفصاح عن العلاقة إلى كيفية معالجتها
من أبرز التعديلات تطوير الإفصاح عن تعارض المصالح، وهي مسألة مهمة في قطاع الصناديق الاستثمارية، حيث قد تجمع بعض التعاملات بين الصندوق ومديره وأطراف أخرى مرتبطة به.
فالمتطلبات الحالية تتضمن بالفعل الإفصاح عن حالات التعارض الفعلي أو المحتمل، بينما تضيف التعديلات إلى التقارير السنوية عرضا أكثر تفصيلا لجميع الحالات، والأطراف المرتبطة بها، وأثرها المحتمل، والإجراءات المتخذة لمعالجتها.
اقرأ أيضا: السعودية تجذب استثمارات أجنبية قياسية في 2025 بـ159 مليار ريال | صحيفة الاقتصادية
كما تتطلب إقرارا من مدير الصندوق بأنه أفصح عن جميع حالات التعارض، والتزم بالسياسات والإجراءات المعتمدة لمعالجتها.
لإيضاح أهمية التغيير، قد يشتري صندوق عقارا من شركة مرتبطة بأحد الأطراف ذات العلاقة، أو يتعاقد مع جهة مرتبطة بمدير الصندوق لتقديم خدمات تشغيلية. وفي مثل هذه الحالات، لا تكفي معرفة وجود العلاقة وحدها، بل يحتاج المستثمر إلى معرفة كيفية التعامل معها والإجراءات التي اتخذت لحماية مصالح مالكي الوحدات.
لا يعني تعارض المصالح بالضرورة وقوع مخالفة، لكنه قد يؤثر في استقلالية القرارات الاستثمارية. ولذلك فإن توسيع الإفصاح يعزز المساءلة، ويتيح للمستثمر تقييم قرارات الإدارة بدرجة أعلى من الشفافية.
خفض عتبة الإفصاح.. صفقات أصغر تصبح معلنة
من التغييرات المهمة خفض الحد الذي يستوجب الإفصاح عن صفقات شراء الأصول أو بيعها أو رهنها أو تأجيرها في الصناديق العقارية المتداولة والصناديق المغلقة المتداولة، من 10% إلى 5% من صافي أصول الصندوق.
فإذا بلغ صافي أصول صندوق مليار ريال، فإن صفقة بقيمة 60 مليون ريال لم تكن تبلغ الحد السابق البالغ 100 مليون ريال، لكنها ستتجاوز الحد المقترح البالغ 50 مليون ريال، ما يجعلها خاضعة للإفصاح وفق هذا المتطلب.
يعني ذلك توسيع نطاق الصفقات التي تصل معلوماتها إلى المستثمرين، بما يساعدهم على متابعة التغيرات في المحافظ الاستثمارية، خصوصا عندما تؤثر تلك الصفقات في مستوى المخاطر أو تركز الأصول.
في المقابل، يقترح المشروع الاستغناء عن متطلبي الإفصاح المستقل المرتبطين بمجرد ارتفاع أو انخفاض صافي أصول الصندوق أو إجمالي أرباحه بنسبة 10%، مع استمرار الالتزامات الأخرى المتعلقة بالإفصاح عن التطورات الجوهرية.
وبذلك يتجه المشروع إلى توسيع الإفصاح عن الصفقات، مع إعادة ضبط بعض المتطلبات المرتبطة بالتغيرات المحاسبية.
اقرأ أيضا: السعودية أعلى دول العشرين نموا في 2027 وتأثرها بالحرب الأقل | صحيفة الاقتصادية
الصناديق العقارية.. معلومات تكشف استدامة الإيرادات
يحمل المشروع إضافات مهمة للمستثمرين في الصناديق العقارية، من خلال تطوير محتويات التقارير النصف سنوية والربع سنوية.
ففي حين تتضمن الإفصاحات الحالية بيانات عن قيمة العقارات ونسب الإشغال والاقتراض، تقترح التعديلات إضافة تفاصيل عن الإيرادات التي يحققها كل أصل عقاري ونسبتها من صافي الأصول، والتوزيع القطاعي للعقارات بين المكاتب والمراكز التجارية والمستودعات والمدارس والفنادق وغيرها، حيثما ينطبق.
كما تشمل الإفصاح عن المدة المتبقية لكل عقد إيجار لكل أصل عقاري، والمتوسط الموزون لمدد العقود.
وستظهر هذه المعلومات ضمن البيانات نصف السنوية للصناديق العقارية، وربع السنوية للصناديق العقارية المتداولة.
تبرز أهمية ذلك في أن ارتفاع نسبة الإشغال لا يعني بالضرورة استقرار الإيرادات. فقد يمتلك صندوق عقارات مشغولة بالكامل، لكن عقودها تنتهي قريبا، بينما يمتلك صندوق آخر عقارات بالنسبة نفسها من الإشغال، مع عقود طويلة الأجل توفر رؤية أوضح للدخل المستقبلي.
كما يساعد الإفصاح عن إيرادات كل عقار على معرفة الأصول الأكثر مساهمة في دخل الصندوق، وقياس مخاطر الاعتماد على عدد محدود من العقارات أو المستأجرين.
هذه التفاصيل تمنح المستثمر أساسا أفضل للمقارنة بين الصناديق، بدلا من الاعتماد على نسب الإشغال والتوزيعات وحدها.
التوزيعات النقدية.. الأهمية ليست في حجمها فقط
تضيف التعديلات أيضاً الإفصاح عن مصادر التوزيعات النقدية وطبيعتها، بما يشمل التوزيعات المتحققة من استثمارات الصندوق والأرباح الرأسمالية المحققة من بيع الأصول.
رغم إمكانية استخلاص جانب من هذه المعلومات من القوائم المالية وإيضاحاتها، فإن ذلك يتطلب معرفة بكيفية قراءتها وتحليلها. أما التعديل الجديد، فيجعل مصادر التوزيعات أكثر وضوحا للمستثمر، ويساعده على التمييز بين العوائد المتكررة والأرباح الاستثنائية، وتقييم مدى استدامة التوزيعات مستقبلا.
هذا من أهم التغييرات للمستثمر الفرد، لأن صندوقين قد يوزعان النسبة نفسها، لكن مصادر تلك التوزيعات تختلف.
فصندوق يحقق توزيعاته من دخل متكرر تنتجه أصوله قد يتمتع بقدرة مختلفة على الاستمرار مقارنة بصندوق يعتمد جزئياً على أرباح استثنائية من بيع أصوله.
بالتالي يصبح بإمكان المستثمر معرفة ما إذا كانت التوزيعات مرتبطة بالنشاط الاستثماري المتكرر أو بأحداث قد لا تتكرر مستقبلا، مع بقاء الحاجة إلى تحليل التدفقات النقدية للحكم على استدامتها بصورة أدق.
الصناديق الخاصة.. التمييز بين التقييم والأرباح المحققة
تمتد التعديلات إلى صناديق الملكية الخاصة ورأس المال الجريء، بإضافة إفصاحات عن الشركات المستثمر فيها، وقطاعاتها، وقيمة الاستثمار ونسبة الملكية، وأحدث تقييم متاح، وتفاصيل عمليات التخارج والعوائد المحققة.
تكتسب هذه المعلومات أهمية لأن ارتفاع القيمة التقديرية لاستثمارات الصندوق لا يعني بالضرورة تحقيق عوائد فعلية.
فقد ترتفع قيمة شركة غير مدرجة نتيجة إعادة تقييم استثمارها، لكن العائد الفعلي لا يتضح بصورة كاملة إلا عند التخارج أو تحقق تدفقات نقدية.
لذلك تساعد الإفصاحات الجديدة المستثمرين على التمييز بين نمو قيمة المحفظة والعوائد التي نجح مدير الصندوق في تحقيقها.
تنظيم الإفصاحات وتوحيد قنوات النشر
على الجانب التنظيمي، يجمع المشروع متطلبات الإفصاح المتفرقة في أبواب مستقلة، مع اعتماد الموقع الإلكتروني للسوق قناة رئيسية للنشر بحد أدنى.
يساعد ذلك على تقليل تشتت المعلومات بين مواقع مديري الصناديق، وتسهيل متابعة الإعلانات والتقارير ومقارنتها.
كما تتضمن التعديلات تطوير الإفصاحات عن الرسوم والرقابة الداخلية، بما يعزز قدرة المستثمر على متابعة تكلفة الإدارة والمخاطر والالتزامات الرقابية للصندوق.

