الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

حين بلغ مؤشر الأسهم السعودية "تاسي" قمته في مايو 2022 عند 13949 نقطة، كانت السوق تعيش واحدة من أفضل فتراتها، مدعومة بنمو الأرباح والنشاط الاقتصادي وتدفقات السيولة. لكن خلف هذا الصعود، كانت البيئة الاستثمارية تتغير بصورة تهدد استمراره، وهو ما رصدته "الاقتصادية" قبل أن تبدأ الأسعار في التراجع.

اليوم، وبعد 4 أعوام ونصف، أغلق المؤشر عند 9438 نقطة، بأدنى مستوياته منذ 2021، بعدما فقد نحو 32% من قيمته مقارنة بتلك القمة.

وبالعودة إلى التقارير التي نشرتها "الاقتصادية" خلال هذه الفترة، تظهر سلسلة من القراءات المبكرة لتحولات السوق، بدأت بالتحذير من تسارع التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، ثم تراجع جاذبية الأسهم أمام البدائل الاستثمارية، وصولا إلى تغير اتجاه السيولة وإعادة تسعير الشركات.

لم تكن هذه التحليلات تستهدف التنبؤ بمستوى محدد للمؤشر، بل تفسير ما يحدث خلف حركة الأسعار، وكيف تتغير القيمة التي يقبل المستثمر دفعها مقابل أرباح الشركات عندما ترتفع تكلفة رأس المال وتتبدل خيارات الاستثمار.

أبريل 2022.. تحذير قبل بلوغ القمة

في 15 أبريل 2022، كان "تاسي" قد ارتفع للأسبوع الـ5 على التوالي، وأغلق عند 13621 نقطة، بأعلى مستوياته منذ 2006، محققا مكاسب تجاوزت 20% منذ بداية العام.

لكن تحليل "الاقتصادية" المنشور حينها لم ينظر إلى ارتفاع المؤشر بوصفه دليلا كافيا على قوة السوق. فقد أشار إلى ضعف مشاركة الشركات في الصعود، بعدما تراجعت 109 شركات مقابل ارتفاع 101، بالتزامن مع وصول التقييمات إلى مستويات مرتفعة.

وكان التحذير الأبرز يتعلق بالتضخم الأمريكي، الذي عزز احتمالات رفع أسعار الفائدة وانتقال أثرها إلى السوق المحلية. حينها كانت أسعار الفائدة في الولايات المتحدة 0.5% قبل ان تتسارع 5.5% في 2023

فالمستثمر الذي يقبل بشراء أسهم مرتفعة التقييم عندما تكون الفائدة منخفضة، قد يعيد حساباته إذا أصبحت الودائع وأدوات الدين تقدم عوائد منافسة بمخاطر أقل.

وبعد أسابيع، لامس المؤشر قمته في مايو، قبل أن يبدأ مسارا تصحيحيا أنهى العام بخسائر 7%، وقطع سلسلة ارتفاع استمرت 6 أعوام.

وفي التحليل السنوي بنهاية 2022 ، أعادت "الاقتصادية" تفسير التراجع من زاوية ارتفاع تكلفة المال وتقلص جاذبية عوائد الأسهم، محذرة من استمرار الضغوط ما دام التضخم يبقي السياسة النقدية متشددة.

147a3e6c-2239151

2023 و2024.. الأسعار تتعافى لكن المخاطر باقية

استعادت السوق جزءا من خسائرها خلال 2023، وارتفع المؤشر 14%، مستفيدا من استقرار الفائدة وتزايد توقعات خفضها.

إلا أن تعافي الأسعار لم يصاحبه تحسن مماثل في أرباح الشركات، فيما بقي مكرر الربحية مرتفعا عند نحو 26 مرة باستثناء "أرامكو".

وكانت قراءة "الاقتصادية" أن استمرار الارتفاع يحتاج إلى نمو الأرباح وانخفاض الفائدة، وليس مجرد تحسن معنويات المستثمرين.

لكن خفض الفائدة تأخر عن التوقعات، ولم تحقق الشركات خلال معظم 2024 نموا كافيا في أرباحها لدعم تقييماتها.

وفي فبراير 2024، استحضرت الصحيفة تجربة انهيار السوق في 2006، مسلطة الضوء على التشابه في انتقال السيولة نحو الأدوات المدرة للعائد مع ارتفاع تكلفة التمويل، رغم الاختلاف الكبير بين السوق في المرحلتين.

فخلال طفرة الأسهم مطلع الألفية، ساعد انخفاض الفائدة وتوسع الائتمان على مضاعفة المؤشر نحو 7 مرات، قبل أن تبدأ العوائد على الودائع بالارتفاع، بينما كانت الأسهم تتداول بمكررات ربحية قاربت 60 مرة.

لكن السوق الحالية أصبحت أكثر عمقا وتنوعا، مع توسع قاعدة المستثمرين وتطور الأنظمة والأدوات المالية، ما جعل استجابتها لارتفاع تكلفة رأس المال أكثر تدرجا مقارنة بالانهيار السريع في 2006.

وبنهاية 2024، لم يحقق "تاسي" سوى مكاسب 0.6%، مدعوما بارتفاع بتوقعات بدء موجة تيسير نقدي.

وجاء التقرير السنوي لـ"الاقتصادية" في 31 ديسمبر 2024 بنظرة حذرة للعام التالي، إذ كان مكرر الربحية البالغ 19.4 مرة أعلى من متوسطه التاريخي، بينما أصبحت أدوات الدخل الثابت منافسا أقوى للأسهم.

وكانت الرسالة أن السوق ستجد صعوبة في تحقيق صعود مستدام دون نمو في أرباح الشركات يعوض المستثمر عن ارتفاع تكلفة رأس المال والمخاطر.

وجاء 2025 بأكبر تراجع سنوي للمؤشر خلال عقد، وإن كانت حدة الانخفاض أكبر مما رجحته القراءة السابقة.

مطلع 2026.. لماذا لا تتحول السيولة إلى الأسهم؟

بعد تراجع السوق، انتقل تحليل "الاقتصادية" من رصد أسباب التصحيح إلى البحث عما إذا كانت الأسعار قد استوعبت أثر بيئة الفائدة الجديدة.

وفي التقرير السنوي الصادر مطلع 2026 ، برزت مفارقة بين استمرار نمو الاقتصاد السعودي وضعف سوق الأسهم.

فالنمو الاقتصادي لا يترجم تلقائيا إلى ارتفاع أسعار الشركات المدرجة. ما يهم المستثمر هو قدرة تلك الشركات على تحويل النمو إلى أرباح وتدفقات نقدية، وتحقيق عائد على رأس المال يتجاوز تكلفته.

وأظهر التحليل أن عائد التدفقات النقدية الحرة للأسهم بلغ 3.3% في بداية 2025، مقابل 5.48% للصكوك الحكومية لأجل عشر سنوات.

ورغم اختلاف طبيعة العائدين، كشفت المقارنة عن تراجع جاذبية الأسهم نسبيا، بعدما أصبحت أدوات الدين توفر عوائد منافسة دون تحمل الدرجة نفسها من مخاطر الشركات.

كما أن ضعف التداولات لم يكن دليلا على شح الأموال في الاقتصاد، إذ واصل المعروض النقدي نموه إلى مستويات قياسية. لكن المشكلة كانت في وجهة تلك الأموال، بعدما أصبحت البدائل الاستثمارية أكثر جذبا لجزء من المستثمرين.

002d0ee3-2223442

الودائع تكشف أين اتجهت الأموال

في يوليو، ظهرت أدلة أوضح على التحول الذي بدأ مع دورة رفع الفائدة.

فقد كشفت بيانات استعرضتها "الاقتصادية"  ارتفاع حصة الودائع الزمنية والادخارية إلى 42.8% من إجمالي الودائع المصرفية في مايو، وهي الأعلى منذ ديسمبر 2008.

وكانت هذه الحصة تدور قرب 24% عند قمة السوق في مايو 2022، قبل أن تقترب من 43% خلال العام الجاري.

وبالقيمة، ارتفعت من نحو 517 مليار ريال إلى 1.33 تريليون ريال خلال 4 أعوام، أي نحو 2.6 ضعف مستواها السابق.

ولا تثبت هذه الأرقام أن الأموال انتقلت مباشرة من بيع الأسهم إلى الودائع، لكنها تكشف تغيرا واسعا في تفضيلات المدخرين والمستثمرين.

فالفائدة المرتفعة أعادت الاعتبار للعائد على النقد، وأصبح الاحتفاظ بالأموال في أدوات مدرة للعائد أكثر جدوى مما كان عليه قبل 2022.

وهنا تتضح إحدى أهم نتائج التحول السيولة لم تختف من الاقتصاد، بل تغيرت الوجهات التي تستقطبها.

النزاعات ليست وحدها ما يحرك السوق

ولم تكن النزاعات الجيوسياسية التي تصاعدت خلال 2026 بداية الضغوط على الأسهم السعودية. فقد دخلت السوق هذه التطورات وهي تعاني بالفعل من ارتفاع تكلفة رأس المال وضعف جاذبيتها النسبية أمام أدوات الدخل الثابت.

ومع بدء العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير، عاد القلق إلى السوق، لكن تحليل "الاقتصادية"  لفت إلى أن النزاعات العسكرية لا تعني بالضرورة استمرار انخفاض الأسهم، مستندا إلى تجارب تاريخية أظهرت قدرة السوق على تجاوز الصدمة الأولى والعودة إلى العوامل الأساسية.

وكانت الصحيفة قد رصدت في تحليل سابق خلال يونيو 2025 أداء "تاسي" أثناء نزاعات مختلفة. فخلال الفترات التي شملتها المقارنة، ارتفع المؤشر 17% إبان غزو العراق في 2003، و7% خلال المواجهات الحدودية في 2009، و2% مع انطلاق عاصفة الحزم في 2015، و1.1% خلال حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل في 2025.

وجاءت حركة السوق في مارس 2026 لتقدم اختبارا جديدا لهذه القراءة. فقد تراجع المؤشر 2.2% في أول جلسة بعد اندلاع الحرب، لكنه عوض معظم خسائره خلال ثلاث جلسات، قبل أن ينهي مارس مرتفعا نحو 5%، رغم استمرار النزاع في المنطقة.

ولا تعني هذه التجارب أن الحروب لا تؤثر في الأسهم، أو أن تكرار الأداء الإيجابي مضمون. لكنها توضح أن الخوف الذي تثيره الأحداث العسكرية قد يدفع الأسعار إلى التقلب مؤقتا، دون أن يغير بالضرورة القيمة الاقتصادية للشركات على المدى الطويل.

فالأثر الأهم يرتبط بما إذا كانت النزاعات ستؤدي إلى تعطيل أعمال الشركات أو خفض أرباحها، لكن أظهر الاقتصاد السعودية المتانة والمرونة في امتصاص الصدمة من خلال كفاءة عمل الحكومة في الحد من التداعيات الاقتصادية، إلى جانب تطور البنية التحتية اللوجستية.

5f730c0c-2187929

أرباح قياسية لا تكفي لجذب المستثمر

في أغسطس 2026، واجهت السوق مفارقة أخرى. فقد سجلت الشركات أرباحا فصلية قياسية، وانخفضت مكررات الربحية إلى مستويات لم تشهدها منذ أعوام، لكن الأسعار لم تستجب بقوة مماثلة.

وأبرز تحليل «الاقتصادية» المنشور في 23 أغسطس 

أن تراجع مكرر ربحية الأسهم السعودية عن متوسطه التاريخي لا يعني بالضرورة أن السوق أصبحت منخفضة التقييم أو أكثر جاذبية للمستثمرين، بعدما تغيرت البيئة الاستثمارية التي تشكلت خلالها تلك المتوسطات.

فمكرر ربحية يبلغ 16 مرة عندما كانت تكلفة الأموال قرب 1%، لا يحمل القيمة الاقتصادية نفسها عندما تقدم أدوات الدين الحكومية عوائد تتجاوز 5%، ما يرفع العائد الذي يطلبه المستثمر مقابل تحمل مخاطر الأسهم.

وبذلك، فإن انخفاض المكرر لم يكن دليلا كافيا على رخص الأسهم، بل عكس اقتراب الأسعار من مستويات تتناسب مع تكلفة رأس المال الجديدة.

وبعد أسبوع، ارتفع "تاسي" 2.6%، محققا أقوى أداء أسبوعي في 7 أشهر.

لكن تحليل "الاقتصادية" في 29 أغسطس نبه إلى أن الصعود استهلك جزءا من جاذبية الأسعار، دون تحسن مماثل في توقعات الأرباح أو انخفاض عوائد أدوات الدين.

ومنذ ذلك الارتفاع، تراجع المؤشر نحو 16% حتى إغلاق اليوم.

هل اقتربت السوق من القاع؟

بعد 4 أعوام ونصف من القمة، تبدو معادلة السوق مختلفة عن تلك التي واجهها المستثمرون في 2022، بل وحتى في بداية 2026.

فقد تراجعت الأسعار بنحو الثلث، وانخفضت المكررات المستقبلية، وأصبح عائد الأرباح المتوقع أعلى، بعدما استوعبت التقييمات جزءا من أثر ارتفاع تكلفة رأس المال.

وبالاستناد إلى بعض تقديرات أرباح 2027، يدور مكرر الربحية المستقبلي 12 مرة وفق بيانات "بلومبرغ"، بما يعادل عائد أرباح نظريا يتجاوز 8%، مقابل عوائد للصكوك الحكومية طويلة الأجل تقارب 6%.

ولا يعني هذا الفارق أن الأسهم تقدم عائدا مضمونا أعلى، أو أن علاوة المخاطر أصبحت كافية، لكنه يشير إلى تحسن جاذبية التقييمات مقارنة بالسنوات السابقة.

فالضغوط التي واجهتها السوق عند 13 ألف نقطة لا تحمل الأثر نفسه بالضرورة بعدما انخفضت الأسعار بنحو الثلث، ما دامت توقعات الأرباح لم تتراجع بالمقدار ذاته.

لذلك، قد تكون السوق اليوم أقرب إلى مستويات يجد فيها المستثمر طويل الأجل تقييما أكثر قبولا مما كان متاحا خلال الأعوام الماضية، دون أن يعني ذلك بلوغ القاع أو بدء تعاف مستدام.

وتبقى هذه القراءة مشروطة بعدم عودة عوائد السندات إلى ارتفاع مستمر، والمحافظة على توقعات أرباح الشركات دون تخفيضات جوهرية، فضلا عن احتواء تداعيات الاضطرابات الإقليمية على النشاط الاقتصادي وإمدادات الطاقة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية