بعد عقود من تفكيك الحكومات مخزوناتها الغذائية ووضع ثقتها في التجارة العالمية، تعيد دول كثيرة بناء مخزونات طوارئ من المواد الغذائية الأساسية في عالم يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه غير مستقر، بحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز".
تبدو فنلندا، التي لطالما اعتبرت استثناء في احتفاظها باحتياطيات طوارئ كبيرة، ذات رؤية متبصرة. أما جارتها النرويج فتعيد بناء مخزونات من الحبوب، في حين تتخذ السويد الخطوات الأولى لإنشاء هذه المخزونات.
عودة تخزين الغذاء تعكس تزامن عدة صدمات: اضطرابات الجائحة، والشعور العام بالقلق العالمي إزاء الحرب في أوكرانيا والحرب في غزة والنزاعات الأخيرة في فنزويلا وإيران، وتقلبات المناخ، وإعادة استخدام التجارة كسلاح. كما يكشف هذا عن خلل عميق في الفكر الاقتصادي العالمي.
فقدان الثقة بالأسواق
تجادل الحكومات بأنه لم يعد بالوسع الاعتماد على الأسواق في أوقات الأزمات، وأن الغذاء يجب اعتباره أصلا استراتيجيا، مثله مثل الطاقة، بينما يرى اقتصاديون ومسؤولون في التجارة أن تكديس عديد من الدول الغذاء في وقت واحد يضيق المعروض العالمي، ويرفع الأسعار، ويضر بأفقر الدول المستوردة.
يحذر نقاد من أن ما يبدو حذرا داخليا قد يؤدي إلى اضطراب خارجي. فريدريك نيومان، كبير اقتصاديين في آسيا في "HSBC"، يقول إن "إعادة الدول الاسكندنافية تخزين الغذاء تعكس تصاعد التوتر الجيوسياسي"، محذرا من أن الغذاء قد يكون من أوائل ضحايا تصاعد التوتر الجيوسياسي والسياسات الحمائية.
على مدى العقود الثلاثة الماضية، تراجعت مخزونات الغذاء العامة في معظم أنحاء العالم، حيث جعلت التجارة المفتوحة وسلاسل التوريد المتنوعة والخدمات اللوجستية المتطورة المخزونات الوطنية تبدو غير ضرورية في الاقتصادات المتقدمة.
فككت أوروبا نظام الشراء التدخلي في إطار السياسة الزراعية المشتركة. كما تقلصت مخزونات دول الشمال من الحبوب التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة. حتى الدول التي تعاني انعدام الأمن الغذائي، باتت تعتمد بشكل متزايد على الأسواق العالمية.

تراجعت هذه الثقة بشكل حاد منذ 2020، عندما كشفت جائحة كوفيد عن هشاشة سلاسل التوريد القائمة على نظام "التوريد وقت الاحتياج". وأدت الحرب الروسية الأوكرانية بعد ذلك بعامين إلى تعطيل أحد أهم مصدري الحبوب في العالم.
كما أصبحت الصدمات المناخية أكثر تواترا وأصعب في التنبؤ بها، وتحولت التجارة من أداة محايدة إلى أداة جيوسياسية.
بالنسبة إلى عديد من الحكومات، الخلاصة بسيطة: قد تستمر الأسواق في العمل معظم الأوقات، لكن في الحالات القصوى، لا يمكن الاعتماد عليها لتوفير الغذاء عند الحاجة الماسة إليه.
التحول يظهر جليّا في أوروبا
يتجلى هذا التحول بوضوح في شمال أوروبا، إذ بدأت النرويج إعادة بناء مخزونات الحبوب الطارئة لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة. وخلال عامل 2024-2025، تعاقدت الحكومة مع شركات خاصة لتخزين ما يقارب 30 ألف طن من القمح.
برر المسؤولون الخطوة بأنها استجابة لتداعيات الجائحة، وتزايد المخاطر الجيوسياسية، وعدم اليقين المناخي، مؤكدين أن هذه المخزونات مخصصة للتأهب وليس للتدخل في السوق.
أما السويد، فاتخذت خطوة جريئة بتخصيص نحو 575 مليون كرونة سويدية (نحو 63 مليون دولار) في ميزانية 2026 لإعادة بناء مخزونات الغذاء الطارئة ضمن خطة "الدفاع الشامل" للبلاد.
تخطط السويد لتخزين ليس فقط الحبوب، بل أيضا البذور والأسمدة، مع دمج شركات خاصة لإدارة المخزونات وتدويرها لضمان الحفاظ على الجودة وعدم تشويه الأسواق.
وبينما تستعد السويد لتخزين ما يكفي لتوفير 3 آلاف سعرة حرارية يوميا لكل مواطن من مواطنيها البالغ عددهم 10.6 مليون نسمة لمدة عام، اتخذ المسؤولون الفنلنديون خطوات لزيادة مخزون الحبوب الاحتياطي من 6-9 أشهر وتحديث التشريعات التي تحكم نظام أمن الإمدادات في البلاد، بحجة ضرورة تعزيز التأهب في عالم يزداد اضطرابا.
تغيرات المناخ أحد أسباب التحوّل
تراجع الثقة بالأسواق لا يقتصر على الجوانب الجيوسياسية فحسب، إذ أصبح تغير المناخ دافعا مباشرا للسياسات الدفاعية، مع تنامي شكوك الحكومات في القدرة على الحصول على الغذاء عند وقوع الكوارث المناخية.
في مصر مثلا، أدت سلسلة من موجات الحر وعدم انتظام هطول الأمطار إلى انخفاض متكرر في إنتاج القمح المحلي على مدى العقد الماضي، ما زاد من الاعتماد على الواردات في الوقت الذي أصبحت فيه الأسواق العالمية أكثر تقلبا.
زادت القاهرة سعة التخزين الحكومية إلى نحو 6 ملايين طن، وحافظت على احتياطيات تكفي لأكثر من ستة أشهر من الاستهلاك، للتخفيف من آثار الصدمات في الإمدادات وارتفاع الأسعار الناجمة عن تغير المناخ.
في أماكن أخرى، وخاصة في آسيا، أصبح التخزين أداة للإدارة الاقتصادية والسياسية، مع تأثيرات تتجاوز الحدود الوطنية.

آسيا على خط التخزين
الهند، أكبر مصدر للأرز في العالم، تحتفظ ببعض من أكبر مخزونات الحبوب العامة في تاريخها، إذ بلغت احتياطيات الأرز الحكومية نحو 58 مليون طن بحلول ديسمبر الماضي، بزيادة 12% تقريبًا عن العام السابق، بينما تجاوزت مخزونات القمح أيضًا المعايير الرسمية للاحتياطيات.
تتولى مؤسسة الغذاء الهندية شراء وإدارة هذه الحبوب. وعندما تنخفض الأسعار المحلية، تُصدر الدولة كميات من الحبوب، وعندما تشهد الأسواق العالمية ضغوطا، تُقيد الصادرات.
في الصين، تظهر وثائق الميزانية الرسمية أن بكين رفعت ميزانيتها لتخزين الحبوب والزيوت الصالحة للأكل وغيرها من السلع الزراعية العام الماضي بنحو 6.1% إلى ما يعادل نحو 18 مليار دولار.
الزيادة تزامنت مع تأكيد رسمي متكرر على الاكتفاء الذاتي من الحبوب وما تصفه السلطات بـ "الأمن المطلق" للإمدادات، في سعي الصين لحماية نفسها من الصدمات الخارجية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.
يقول المسؤولون إن مخزونات الأرز والقمح كافية لتلبية الاحتياجات المحلية لأكثر من عام.بالتالي، تحتجز هذه السياسات حصة متزايدة من الحبوب في المخزونات العامة بدلا من السماح بتداولها بحرية في الأسواق.
يرى جوزيف جلاوبر، كبير الاقتصاديين الزراعيين الأمريكيين السابق، أن الاقتصاديين لا ينكرون تصاعد المخاطر، لكنهم يتساءلون عما إذا كان التوسع في تخزين الغذاء يخفف هذه المخاطر فعلا؟
مع ذلك، عندما تستجيب الدول للاضطرابات وعدم الاستقرار الجيوسياسي بتخزين الغذاء والتدخل في التدفق الحر له، فإنها في الواقع تُخاطر بالتسبب في نقص أكبر وعدم استقرار محلي، كما يقول نيومان.

