تتجاوز أصول أكثر من 50 صندوقا عاما لأسواق النقد في السعودية 100 مليار ريال بنهاية الربع الأول من 2026، في وقت اتجهت فيه هيئة السوق المالية إلى تقليص الحد الأقصى لاستثمارات هذه الصناديق خارج السعودية إلى أقل من 5% من صافي أصول الصندوق، في إطار تعزيز إدارة المخاطر وتوجيه جانب أكبر من السيولة قصيرة الأجل نحو السوق المحلية.
مختصون تحدثوا لـ"الاقتصادية" في الأسواق المالية والصناديق الاستثمارية يرون أن القرار لن يحدث تأثيرا جوهريا في عوائد صناديق أسواق النقد، نظرا إلى طبيعة أدواتها الاستثمارية قصيرة الأجل وعالية السيولة، وتوافر بدائل محلية واسعة، فيما يركز القرار بصورة أكبر إلى الضبط والحد من المخاطر في الميزان المرتبط بالانكشاف الخارجي وتعزيز حماية أموال المستثمرين.
العوائد.. تأثير محدود
الدكتور فهد الحويماني مختص بالأسواق المالية والاقتصاد، قلل من تأثير القرار في عوائد صناديق أسواق النقد، لأن طبيعة هذه الصناديق وأدواتها الاستثمارية تجعل انعكاس خفض الاستثمارات الخارجية محدودا.
وقال الحويماني إن الاعتبار الأساسي للقرار يتمثل في توجيه الأموال قصيرة الأجل نحو السوق المحلية وعدم خروجها إلى أسواق أخرى، في ظل وجود سوق نقد نشطة في السعودية وتوافر أدوات استثمارية مناسبة أمام هذه الصناديق.
وأوضح أن صناديق أسواق النقد تستثمر بصورة رئيسة في أدوات الدين قصيرة الأجل وعالية السيولة، فيما ترتبط عوائدها بدرجة كبيرة بمستويات أسعار الفائدة السائدة، مشيرا إلى أن الفارق بين أسعار الفائدة في السعودية وأمريكا لا يجعل نقل هذه الاستثمارات إلى الخارج ذا جدوى استثمارية واضحة في جميع الحالات.
وفقا للحويماني فإن أغلبية صناديق أسواق النقد في السعودية تستثمر أساسا في المرابحات والقروض الداخلية والمعاملات بين البنوك، ما يوفر للسوق المحلية نطاقا واسعا من الأدوات التي تتناسب مع طبيعة هذه الصناديق، ويحد من الحاجة إلى التوسع في الاستثمارات الخارجية.
وتوقع الحويماني أن يقتصر تأثير القرار في بعض الصناديق التي لديها انكشاف خارجي، فيما لن يكون الأثر كبيرا على القطاع بصورة عامة، مرجحا أن تكون نسبة الصناديق التي تستثمر خارج السعودية ضمن هذه الأدوات محدودة.
أدوات الدين القصيرة
شدد الحويماني على أهمية التمييز بين صناديق أسواق النقد وغيرها من الصناديق الاستثمارية، حيث إن القرار يركز على صناديق تستثمر في أدوات قصيرة الأجل وعالية السيولة، وليس صناديق الأسهم أو السندات طويلة الأجل أو السلع، مشير إلى أن أدوات الدين قصيرة الأجل تشهد إقبالا متزايدا في الأسواق العالمية، ولا سيما في أمريكا، مع توجه مستثمرين وصناديق وجهات سيادية إلى هذه الأدوات، في ظل ارتباط قرارات الاستثمار بمنحنى العائد والاستحقاقات المختلفة.
ولفت إلى أن بعض أدوات الدين قصيرة الأجل في أمريكا توفر عوائد تقارب 4%، في حين تتجاوز عوائد بعض السندات طويلة الأجل، مثل سندات 10 و30 عاما، 5%، إلا أن الإقبال يستمر على الاستحقاقات القصيرة، بما فيها أدوات 3 و6 أشهر.

ويرى الحويماني أن هيئة السوق المالية قد تكون أخذت في الحسبان هذا التوجه العالمي عند تنظيم استثمارات صناديق أسواق النقد، خصوصا مع تنامي الإقبال على أدوات الدين قصيرة الأجل، مضيفا "إنه لا يملك أرقاما محددة عن حجم استثمارات صناديق أسواق النقد السعودية في الخارج، إلا أنه رجح أن تكون محدودة، بالنظر إلى تقارب العوائد وتوافر أدوات استثمارية محلية مناسبة".
إدارة المخاطر في صدارة الأهداف
من جهته، المختص في الأسواق المالية محمد العمران أوضح، أن قرار خفض سقف استثمارات صناديق أسواق النقد العامة خارج السعودية إلى أقل من 5% يستند بصورة رئيسة إلى مفاهيم إدارة المخاطر، سواء من حيث الجهات التي تتعامل معها الصناديق أو طبيعة الاستثمارات وقيمتها خارجيا.
وقال العمران إن من بين الاعتبارات التأكد من أن الجهات التي تتعامل معها صناديق أسواق النقد مرخصة ومصنفة ائتمانيا، إلى جانب وضع سقف أعلى لقيمة الاستثمارات التي يمكن للصناديق توجيهها إلى الأسواق الخارجية.
وأضاف أن القرار يمثل إطارا لتنظيم إدارة صناديق أسواق النقد داخل السعودية، من خلال تعزيز ضوابط إدارة المخاطر وتحديد مستويات واضحة للاستثمارات الخارجية.
وحول انعكاسات القرار على السيولة والعوائد، توقع العمران أن تظهر التأثيرات بصورة تدريجية، مشيرا إلى الحاجة إلى فترة زمنية قبل تقييم النتائج الفعلية للقرار على أداء الصناديق، مرجحا ألا يؤثر القرار بصورة جوهرية في عوائد صناديق أسواق النقد، باعتبار أن هدفه الأساسي يتمثل في إدارة المخاطر، وليس التأثير في مستويات العائد التي تحققها الصناديق للمستثمرين.

وأشار إلى أن توجيه جزء أكبر من الاستثمارات نحو السوق المحلية قد يظهر تدريجيا مع تطبيق القرار، إلا أن تقييم أثر ذلك في أداء الصناديق وعوائد المستثمرين يحتاج إلى متابعة خلال الفترة المقبلة، داعيا إلى توسيع نطاق المراجعة التنظيمية ليشمل إدارة المخاطر في بقية الصناديق الاستثمارية المدارة داخل السعودية، بهدف اكتشاف أي ثغرات محتملة في وقت مبكر وتعزيز سلامة إدارة أموال المستثمرين.
حماية المستثمرين وتنويع الاستثمارات
في السياق ذاته، يرى خبير في قطاع الصناديق الاستثمارية فضل عدم ذكر اسمه، أن توجه هيئة السوق المالية للحد من تركز استثمارات صناديق أسواق النقد في الاستثمارات الخارجية يرتبط بمبادئ حماية حقوق المستثمرين وتنويع المحافظ.
وأوضح أن نظام السوق المالية يتضمن مبادئ تهدف إلى حماية حقوق المستثمرين، مشيرا إلى أن بعض الاستثمارات أو الجهات التي تتعامل معها الصناديق قد تكون ذات جودة ائتمانية منخفضة ولا تتواكب مع متطلبات إدارة المخاطر وحماية المستثمرين.
وأضاف أن اشتراط التعامل مع جهات ذات تصنيفات ائتمانية مرتفعة، وفق التصنيفات الصادرة عن وكالات التصنيف الائتماني مثل "إس آند بي" ، يأتي في إطار الحد من المخاطر المرتبطة بالاستثمارات.
وبين أن الهدف الأساسي من هذه المتطلبات لا يقتصر على تعزيز السيولة، وإنما يتركز على حماية حقوق المستثمرين والمحافظة على أصول الصناديق من المخاطر المرتفعة التي قد تظهر آثارها مستقبلا مؤكدا أن تنويع سلة الاستثمارات وعدم نركزها في أدوات أو أسواق خارجية بشكل كبير ينسجم مع مبادئ إدارة المخاطر وحماية المستثمرين.
أكثر من 100 مليار ريال أصول الصناديق
المختص في الأسواق المالية نبيل المبارك يعتبر استناد قرار خفض سقف استثمارات صناديق أسواق النقد خارجيا إلى أقل من 5% إلى اعتبارات تنظيمية وإشرافية وإدارة المخاطر، بما يتناسب مع طبيعة هذه الصناديق وأهدافها المرتبطة بتوفير السيولة قصيرة الأجل للمستثمرين بمخاطر منخفضة نسبيا.
وأوضح المبارك أن القرار يأتي ضمن مهام هيئة السوق المالية في تنظيم والإشراف على صناديق أسواق النقد وفق المتطلبات الواردة في لائحة صناديق الاستثمار، وأن طبيعة هذه الصناديق باعتبارها أدوات للسيولة قصيرة الأجل تتطلب تنظيما أكثر عناية.

وبين أن التوسع في التعرض للأصول الخارجية يزيد المخاطر التي لا تتناسب عادة مع طبيعة صناديق أسواق النقد، خصوصا مع ارتفاع المخاطر في الأسواق الخارجية، وتحديدا السوق الأمريكية خلال الفترة الحالية.
وأضاف أن اشتراط توافر تصنيف ائتماني بدرجة استثمارية من وكالة تصنيف مرخصة يعكس توجها لتحجيم المخاطر والحد من التعامل مع أطراف ضعيفة ائتمانيا أو غير خاضعة لمعايير واضحة، إلى جانب تقليص مخاطر التعثر والتسوية خارج السعودية.
وأشار إلى أن التدرج في خفض الاستثمارات الخارجية، والتمييز بين السقف المحدد عند 5% والمسار الأسرع للصناديق التي تتجاوز استثماراتها الخارجية 20%، يعكسان توجها لإدارة المخاطر النظامية، من خلال معالجة الانكشاف الخارجي المرتفع بصورة سريعة، ثم إعادة هيكلة المحافظ تدريجيا، بما يقلل احتمالات حدوث اضطرابات في الأسعار أو السيولة.
توجيه السيولة للسوق المحلية
ولفت المبارك إلى أن القرار يدفع كذلك نحو توجيه السيولة إلى الأدوات المحلية، خصوصا أسواق المال وأسواق الدين، مؤكدا أن الهدف الأهم يتمثل في المحافظة على الأموال المحلية وحمايتها من المخاطر المرتبطة بالأسواق الخارجية.
وأوضح أن عدد صناديق أسواق النقد العامة يتجاوز 50 صندوقا، بإجمالي أصول يتخطى 100 مليار ريال بنهاية الربع الأول من 2026، مشيرا إلى أن حماية هذه الأموال من المخاطر الخارجية تمثل أحد الأهداف الرئيسية للقرار.
وأضاف أن عودة جزء من هذه الأصول إلى البنوك وأدوات الدين المحلية ستدعم سيولة السوق النقدية المحلية، فيما قد يصبح العائد على المستثمرين أكثر استقرارا وأقل تعرضا للصدمات الخارجية، خصوصا مع اشتراط درجة التصنيف الائتماني الاستثماري، حتى وإن تراجع هامش العائد في بعض الفترات.
وأوضح أن المستثمر الباحث عن أعلى عائد قصير الأجل قد يلاحظ فروقا بين صندوق كان منكشفا بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية وآخر يعتمد بصورة أساسية على الاستثمارات المحلية، في حين يفترض أن يكون أثر القرار محدودا بالنسبة للمستثمر الذي يستخدم صناديق أسواق النقد كبديل للودائع وحفظ السيولة، نظرا إلى أن هدفه الأساسي يتمثل في الأمان والسيولة.
وقال المبارك إن النتيجة المستهدفة تتمثل في تعميق سوق النقد المحلية، وزيادة الطلب على الودائع لأجل وأدوات الدين قصيرة الأجل، إلى جانب دعم قدرة البنوك والجهات المصدرة محليا على استيعاب السيولة قصيرة الأجل.
وأكد أن القرار لا يلغي الاستثمار الخارجي، إذ يظل مسموحا للصناديق بالاستثمار خارج السعودية بنسبة تصل إلى 5%، وفق شروط التصنيف الائتماني، إلا أنه يحول الاستثمار الخارجي من خيار رئيس إلى هامشي يستخدم لتنويع المحافظ.




