الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 19 مايو 2026 | 2 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

"إنفيديا" تتصدر الشركات في القيمة السوقية.. فهل تلحق بها "جوجل"؟

أحمد الرشيد
أحمد الرشيد من الرياض
الاثنين 11 مايو 2026 15:10 |9 دقائق قراءة
"إنفيديا" تتصدر الشركات في القيمة السوقية.. فهل تلحق بها "جوجل"؟

يشتد السباق بين "إنفيديا" و"جوجل" على صدارة القيمة السوقية في عصر الذكاء الاصطناعي، رغم أن الأخيرة ساعدت في فتح باب الثورة، بينما كانت "إنفيديا" الأكثر استعدادًا للعبور منه إلى التريليونات.

لسنوات طويلة، عاش الذكاء الاصطناعي شتاءً ممتدًا، فكرة واعدة لكنها محكومة بندرة البيانات، وضعف الحوسبة، ومحدودية الخوارزميات. ثم بدأت الثلوج تذوب تدريجيًا: شبكات عصبية أعمق، بيانات أكثر، ورقائق قادرة على الحساب المتوازي. ومن داخل "جوجل" خرجت في 2017 الورقة البحثية "الانتباه هو كل ما تحتاجه"، التي قدّمت معمارية قائمة على آليات الانتباه، وهي البنية التي مهدت الطريق للنماذج اللغوية الكبرى التي ظهر منها لاحقًا ChatGPT.

Fri, 24 2026

لكن السوق لا يكافئ دائمًا من يكتب اللغة الأولى للثورة، بل يكافئ من يبيع الآلات التي تجعلها قابلة للتوسع. بعد إطلاق ChatGPT في نهاية 2022، لم يعد السؤال في وول ستريت: من يملك محرك البحث الأكبر؟ بل: من يملك الحوسبة الكافية لتدريب وتشغيل النماذج؟ هنا انتقلت المعركة من واجهة المستخدم إلى المصنع. وبدلًا من أن تكون "جوجل" وحدها في قلب القصة، وجدت "إنفيديا" نفسها في موقع المورد الذي يحتاجه الجميع: OpenAI، وAnthropic، وMeta، وxAI، ومزودو السحابة الكبار، والحكومات، وكل شركة تريد مقعدًا في سباق الذكاء الاصطناعي.

بهذا المعنى، ساعدت "جوجل" في فتح باب الثورة، لكنها تحركت بحذر لأن الثورة نفسها كانت تهدد نموذجها القديم القائم على البحث والإعلانات. أما "إنفيديا"، فلم يكن لديها محرك بحث تخاف عليه، ولا شبكة إعلانية تخشى أن تلتهمها الإجابات المباشرة. كانت تقف في مكان أكثر حيادًا وربحية: كل من يدخل السباق يحتاج إلى حوسبتها.

8883b385-677d-4cbb-864a-0c0f4e9a91e1

لماذا أصبحت "إنفيديا" الأكبر قيمة؟

كانت الشركة التي تجاوزت قيمتها السوقية 5 تريليونات دولار تُقرأ لسنوات من نافذة الألعاب: بطاقات رسومية، مجتمع لاعبين، ودورات طلب مرتبطة بأجهزة الحاسب والترفيه. لكن التحول بدأ حين لاحظ الباحثون أن معالجات الرسوم قادرة على أكثر من رسم الصور. في أوائل الألفية، كان بعضهم يستخدم بطاقات الرسوميات لإجراء حسابات غير رسومية، عبر تحويل المسائل الرياضية إلى صيغ تفهمها معالجاتها كما لو كانت صورًا أو مظللات. لم يكن ذلك "تهكيرًا" بالمعنى الحرفي، بل كان تحايلًا برمجيًا كشف طاقة كامنة: الشريحة المصممة لمعالجة ملايين البكسلات بالتوازي تستطيع أيضًا تنفيذ حسابات علمية وبيانية ضخمة.

Sun, 03 2026

هنا ظهرت إحدى أهم نقاط قوة "إنفيديا": الانتباه المبكر. الشركة رأت ما لم يكن السوق يراه. فإذا كان الباحثون يلتفون على واجهات الرسوم لاستخدام GPU في الحسابات، فلماذا لا تمنحهم الشركة طريقًا مباشرًا؟ هكذا ظهرت CUDA عام 2006 كمنصة تجعل قدرات المعالجات الرسومية متاحة للحوسبة العامة، ثم للتعلم العميق لاحقًا. ومع مسابقة AlexNet في 2012، ظهر الدليل العملي: بطاقات رسومية موجهة أصلًا للألعاب يمكن أن تدفع الشبكات العصبية الحديثة إلى الأمام.

ثم جاء مشهد في 2016. أطلقت "إنفيديا" جهاز DGX-1 بوصفه أول حاسوب فائق مخصص للتعلم العميق، متكاملًا بالعتاد والبرمجيات وأدوات التطوير، وبقدرة قالت الشركة إنها تعادل 250 خادمًا تقليديًا. وبعد أشهر، ظهر جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي للشركة، وهو يسلّم الجهاز إلى OpenAI في لحظة مبكرة من تاريخ المختبر. وكان يحمل توقيعًا موجهًا إلى إيلون ماسك وفريق OpenAI، مع عبارة عن مستقبل الحوسبة والإنسانية. لا يصح القول إن ذلك الجهاز صنع ChatGPT وحده؛ فبين DGX-1 وChatGPT سنوات من النماذج والبيانات والتمويل والبنية السحابية. لكنه كان مشهدًا مكثفًا لمسار كامل: شركة بدأت من ألعاب الفيديو تضع مبكرًا لبنة في مصانع الذكاء الاصطناعي.

الأرقام تشرح لماذا كافأها السوق لاحقًا. وفق بيانات "بلومبرغ"، بلغت إيرادات "إنفيديا" نحو 215.9 مليار دولار في السنة المنتهية في يناير 2026، منها 193.7 مليار دولار من مراكز البيانات، أي ما يقارب 90% من إيراداتها. وبين 2023 و2026 قفزت إيراداتها نحو 8 مرات، بينما نمت إيرادات "جوجل" بنحو 1.4 مرة فقط. هذه ليست دورة عتاد عادية؛ إنها انتقال شركة كاملة إلى قلب دورة إنفاق رأسمالي عالمية على الذكاء الاصطناعي.

وهنا مهم فهم "الخندق" الذي يعزز مكانة "إنفيديا": هو مجموعة العوائق التي تجعل تقليد الشركة أو انتزاع عملائها أمرًا صعبًا. في حالة الشركة، الخندق ليس رقاقة واحدة. هناك خندق برمجي اسمه CUDA، يعرفه ملايين المطورين. وهناك خندق صناعي في الذاكرة والتغليف المتقدم والشبكات وسلاسل الإمداد. وهناك خندق تجاري، لأن منتجاتها موجودة في معظم السحب ومراكز البيانات، وتُباع للعملاء بدلًا من أن تبقى داخل منظومة مغلقة.

Sun, 03 2026

لذلك، لم تعد "إنفيديا" تبيع GPU فقط، بل تبيع مصنعًا كاملًا للذكاء الاصطناعي: معالجات، شبكات، كابلات، أنظمة رفوف، ذاكرة، تبريد، وبرمجيات تجعل آلاف الشرائح تعمل كآلة واحدة. يصف هوانغ التحول بمنطق بسيط وعميق: الكهرباء تدخل، و"التوكن" تخرج في صورة نصوص، صور، أكواد برمجية، إجابات، ووكلاء. وفي الوسط تقف "إنفيديا" كمنسق لمنظومة كاملة، لا كمصمم رقاقة فقط.

الاستدلال.. معركة استعدت لها "إنفيديا"

لم يتوقف انتباه "إنفيديا" عند مرحلة التدريب. فبعد أن أصبحت رقائقها العمود الفقري لتدريب النماذج الكبرى، بدأت ملامح معركة أخرى تظهر: الاستدلال. التدريب يصنع النموذج، لكنه يحدث على فترات. أما الاستدلال فهو تشغيل النموذج كل يوم، لكل مستخدم، في كل سؤال، وكل كود، وكل وكيل ذكي. وهنا لا تكفي القوة الحوسبية وحدها؛ يجب أن تكون اقتصادية: تكلفة أقل لكل إجابة، وزمن استجابة أسرع، وعدد أكبر من التوكن لكل واط.

في هذه المنطقة، قد لا تكون هيمنة شرائح GPU تلقائية كما كانت في التدريب. فمعالجات "جوجل" الخاصة TPU صُممت لتخدم نماذجها وسحابتها بكفاءة عالية، خصوصًا داخل منظومة مغلقة نسبيًا تملك فيها "جوجل" الرقاقة والنموذج والسحابة والمستخدم. يشرح جيف دين، كبير العلماء في الشركة، أن TPU وطبقات برمجية مثل JAX وXLA وPathways ليست مجرد عتاد، بل نظام داخلي يجعل آلاف الشرائح تعمل كأنها آلة واحدة لتدريب وتشغيل نماذج ضخمة.

لكن "إنفيديا" تعاملت مع الاستدلال بالطريقة نفسها التي تعاملت بها سابقًا مع GPU: إذا ظهر استخدام جديد، لا تتركه يتحول إلى خندق منافس. ولهذا تكتسب شركة Groq، التي أسسها جوناثان روس، أهميتها. فبعد عمله سابقًا على برنامج TPU داخل "جوجل"، راهنت الشركة على بنية متخصصة في الاستدلال السريع. وفي ديسمبر 2025، أعلنت Groq اتفاق ترخيص غير حصري لتقنية الاستدلال مع "إنفيديا"، مع انتقال روس ورئيس Groq ساني مادرا وأعضاء آخرين من الفريق إلى "إنفيديا"، على أن تبقى Groq شركة مستقلة.

هذه ليست صفقة جانبية في السباق. إنها تكشف أن "إنفيديا" لا تريد أن تظل ملكة التدريب فقط، بل تريد امتلاك اقتصاد تشغيل الذكاء الاصطناعي اليومي. حين لاحظت أن الاستدلال قد يصبح السوق الأكبر، تحركت قبل أن يتحول إلى منصة مضادة حول رقائق متخصصة. هنا يتكرر نمط الشركة: انتبهت مبكرًا إلى استخدام معالجات GPU خارج الألعاب، ثم إلى التدريب، ثم إلى مصانع الذكاء الاصطناعي، والآن إلى الاستدلال.

هذا ما يجعل خندقها متحركًا لا ثابتًا. ليست قوة "إنفيديا" في منتج واحد، بل في قدرتها على الانتقال مع مركز الثقل كلما تغير: من الرسوميات إلى الحوسبة العامة، ومن التدريب إلى الاستدلال، ومن الشريحة إلى النظام الكامل.

"جوجل" فتحت الباب.. ثم ترددت عند العتبة

الوجه الآخر من القصة أن "جوجل" لم تكن خارج الثورة، بل في قلب ولادتها. ورقة Attention Is All You Need لم تكن بحثًا عابرًا، بل كانت إحدى اللبنات التي جعلت النماذج اللغوية الكبرى قابلة للتوسع. ومن قبلها بنت "جوجل" Google Brain، وطورت مكتبة TensorFlow، وصممت شرائح TPU، وراكمت خبرة طويلة في تشغيل الذكاء الاصطناعي داخل منتجات يستخدمها مليارات البشر.

Sun, 29 2026

في هذه الدورة، بدا أن السوق كافأ طبقة البنية التحتية أكثر مما كافأ طبقة الاكتشاف البحثي. وهنا كانت معضلة "جوجل". الشركة تمتلك كل ما يؤهلها لقيادة الثورة: البيانات، المستخدمون، الباحثون، السحابة، الرقائق، Gemini، DeepMind، YouTube، وAndroid. لكنها تملك أيضًا ما تخاف عليه: محرك البحث والإعلانات.

في 2025، بلغت إيرادات "جوجل" نحو 402.8 مليار دولار، وجاء نحو 294.7 مليار دولار منها من الإعلانات، أي أكثر من 70% من إجمالي الإيرادات. هذه الأرقام تجعل الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى "جوجل" فرصة وتهديدًا في الوقت نفسه. إذا تحولت واجهة المستخدم من الروابط إلى الإجابات، ومن البحث إلى الوكيل الذكي، فإن الضغط لا يقع على نشاط جانبي، بل على قلب آلة الإيرادات.

لهذا لا يبدو تردد "جوجل" عجزًا تقنيًا، بل حذرًا استراتيجيًا. شركة تعتمد على البحث لا تستطيع الاندفاع بلا حساب نحو منتج يقلل الحاجة إلى النقرات. وشركة بنت إمبراطورية إعلانية حول "نية المستخدم" لا تستطيع تجاهل احتمال أن تنتقل تلك النية إلى نموذج أو وكيل يقارن ويشتري ويكتب وينفذ من دون المرور بصفحة البحث التقليدية.

هنا يتضح الفارق البنيوي. "إنفيديا" تبيع طريقًا مفتوحًا للعالم. "جوجل" تبني مدينة متكاملة حول طريقها الخاص. المدينة عميقة: بحث، إعلان، بيانات، سحابة، TPU، وGemini. لكنها تحتاج إلى أن يظل المستخدم داخلها. أما الطريق، فيربح كلما زاد عدد المدن التي تُبنى حوله.

موجة الإنفاق التي توسّع الطريق أمام "إنفيديا"

تمنح أرقام سوق الذكاء الاصطناعي حجمها الحقيقي. فبحسب توقعات "Gartner"، العاملة في الأبحاث والاستشارات في مجال التقنية والأعمال، يُتوقع أن يبلغ الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي 2.52 تريليون دولار في 2026، بنمو سنوي 44%، منها نحو 1.37 تريليون دولار على البنية التحتية وحدها. ومن زاوية مراكز البيانات، تشير تقديرات "TrendForce"، الشركة التايوانية الناشطة في بحوث الأسواق وتحليل البيانات التقنية، إلى أن أكبر 9 مزودين للسحاب عالميًا، ومنهم "جوجل" و"مايكروسوفت" و"ميتا" و"علي بابا"، سيرفعون إنفاقهم الرأسمالي إلى قرابة 830 مليار دولار في 2026، بنمو يصل إلى 79%.

هنا تصبح أفضلية "إنفيديا" أوضح؛ فكل توسع في مراكز البيانات، وكل جيجاواط جديد، وكل نموذج يحتاج إلى تدريب أو استدلال، يمر غالبًا عبر طبقة من طبقات منظومتها: المعالجات، الشبكات، أنظمة الرفوف، البرمجيات، أو أدوات التشغيل. حتى "جوجل"، التي تطور شرائحها الخاصة TPU وتملك سحابة ضخمة، لا تقف خارج عالم "إنفيديا" بالكامل؛ فمعالجات "إنفيديا" تُستخدم ضمن خيارات الحوسبة في جوجل كلاود ومراكز بياناتها إلى جانب معداتها الخاصة.

وفي المقابل، تكشف أرقام "جوجل" أن لديها رصيدًا ضخمًا من العقود السحابية المنتظرة. ففي الربع الأول من العام الجاري، بلغت قيمة العقود والخدمات السحابية المتعاقد عليها ولم تتحول بعد إلى إيرادات نحو 467.6 مليار دولار، معظمها مرتبط بجوجل كلاود. هذا رقم مهم، لكنه يعني أيضًا أن أمام "جوجل" مهمة شاقة: تحويل هذا الرصيد إلى إيرادات مربحة، في وقت تحتاج فيه إلى إنفاق هائل لبناء وتشغيل مراكز البيانات نفسها.

أما "إنفيديا"، فقال رئيسها التنفيذي في GTC 2026 إن الشركة لديها رؤية إلى نحو تريليون دولار من الإيرادات أو الطلب على منتجات Blackwell وRubin حتى 2027.

لذلك تبدو المفارقة حادة: "جوجل" تنافس "إنفيديا" بشرائحها الخاصة، لكنها تظل أيضًا جزءًا من الطلب الذي يوسّع سوق "إنفيديا". وهذا ما يعزز أطروحة أن "إنفيديا" لا تحتاج إلى فائز واحد في سباق الذكاء الاصطناعي؛ يكفي أن يستمر الجميع في بناء البنية التي تجعل هذا العصر ممكنًا.

c49f19b2-88f9-48c6-b1be-b2f2d99f5a6b

إستراتيجيتان مختلفتان للذكاء الاصطناعي

"إنفيديا" و"جوجل" لم تدخلا عصر الذكاء الاصطناعي من الباب نفسه. "إنفيديا" قرأته كتحول في بنية الحوسبة نفسها، لذلك ظلّت تدفع المستثمرين إلى النظر إليها خارج سوق الألعاب، قبل أن يصبح خطابها بعد "ChatGPT" أكثر وضوحا حول مراكز البيانات، ومنتجات "بلاكويل"، والاستدلال، وكلفة كل "توكن". أما "جوجل" فقرأته كامتداد طبيعي لمنتجاتها: بحث أكثر ذكاءً، إعلانات أكثر دقة، توصيات أفضل، وسحابة أكثر كفاءة.

وبعد الطفرة التوليدية، انتقلت من سؤال “كيف نحسّن منتجاتنا بالذكاء الاصطناعي؟” إلى سؤال أصعب: “كيف نجعل الذكاء الاصطناعي مصدر إيرادات جديدا من دون أن يضغط على البحث والإعلانات؟”. هنا يتباين مسار الشركتين: "إنفيديا" حوّلت الذكاء الاصطناعي إلى سوق تبيع له البنية التي يحتاجها الجميع، بينما تحاول "جوجل" تحويل ذكائها الداخلي إلى منصة تجارية واسعة، من "جيمناي" إلى شرائح "TPU" و"جوجل كلاود"، من دون أن تفرّط في البوابة التي صنعت ثروتها. ولذلك تبدو استراتيجية "إنفيديا" أبسط في عين السوق: كل توسع في الذكاء الاصطناعي يعني طلبا إضافيا على الحوسبة. أما استراتيجية "جوجل" فهي أعمق، لكنها أكثر تعقيدا؛ لأنها تحاول بناء السوق الجديد مع حماية السوق القديم في الوقت نفسه.

من يملك الطريق يقترب من التتويج

تبدو "إنفيديا" الأقرب للفوز بسباق القيمة السوقية. ليست لأنها تحقق معدلات نمو عالية مع قوة تسعير في الوقت الحاضر فحسب، بل لأنها تملك العنصر الذي يحتاجه الجميع في عصر الذكاء الاصطناعي: الحوسبة القابلة للتوسع.

قوة "إنفيديا" أنها انتبهت مبكرًا إلى قدرة شرائحها GPU خارج الألعاب، ثم حولت هذا الانتباه إلى CUDA، ثم إلى أنظمة مراكز بيانات، ثم إلى مصانع ذكاء اصطناعي، والآن إلى الاستدلال. كل مرحلة لم تكن قفزة منفصلة، بل امتدادًا لمنطق واحد: عندما يكتشف السوق استخدامًا جديدًا للحوسبة، تسعى الشركة إلى تحويله إلى منصة يصعب تجاوزها، لتعمّق الخندق أمام منافسيها.

Tue, 05 2026

في المقابل، "جوجل" شركة رائدة، وربما كانت من أهم من أسهم في ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي. لكنها فتحت الباب ثم تحركت بحذر بدلًا من قيادة السوق، لتقع في ما يشبه "معضلة المبتكر". هذا لا يعني أنها ستخسر؛ فهي بدأت تحاول حل معضلتها باتجاه بيع شرائحها الخاصة للغير، وإن كان ذلك على نطاق محدود، كما أن لديها من البيانات والتوزيع والسحابة والنماذج والرقائق ما يجعلها خصمًا طويل الأجل لا يمكن التقليل منه. لكنها تحتاج إلى إثباتٍ أصعب: أن منتجاتها الحالية ليست دفاعًا عن نموذج قديم فقط، بل محركات نمو قادرة على تعويض أي تغير في سلوك المستخدم.

أما "إنفيديا"، فتستفيد من الازدحام نفسه. كل منافس جديد في الذكاء الاصطناعي يزيد الطلب على الحوسبة. كل نموذج جديد يحتاج إلى تدريب. كل وكيل جديد يحتاج إلى استدلال. كل دولة وشركة تدخل السباق تحتاج إلى معالجات وشبكات ومراكز بيانات. لذلك تبدو "إنفيديا" كالمورد المحايد في حمى ذهب جديدة؛ لا يهم من يعثر على الذهب أولًا، طالما أن الجميع يحتاج إلى أدواتها للحفر.

ورغم ذلك، "إنفيديا" ليست محصنة بالكامل. فإذا انتقل جزء معتبر من الاستدلال إلى شرائح مخصصة داخل مراكز البيانات الكبرى، أو تباطأ عائد الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي، فقد يجد السوق نفسه أمام إعادة تسعير للشركة.

المفارقة النهائية أن "جوجل" ساعدت في إشعال الثورة التي رفعت "إنفيديا" إلى التريليونات. كتبت جزءًا من الثورة، وامتلكت المختبر، وقدمت الورقة التي غيرت الصناعة. لكن "إنفيديا" باعت الآلة، وحجزت الطريق، ثم بدأت تستعد للمرحلة التالية من تشغيل الذكاء نفسه.

وفي سباق عرش الذكاء الاصطناعي، لا يكفي أن تفتح الباب. الأهم أن تملك الطريق الذي يعبر منه الآخرون، ثم تظل منتبهًا إلى الطريق التالي.

وحدة التحليل المالي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية