تعلن شركات "وول ستريت" عن نتائج مالية أفضل من المتوقع للربع الأول من العام، ما يدفع الأسهم الأمريكية لمواصلة تسجيل مستويات قياسية متتالية.
ومع اكتمال إعلان نحو ثلثي الشركات المدرجة على مؤشر "إس آند بي 500" (S&P500) عن نتائجها، تقترب نسبة الشركات التي خيبت توقعات المحللين من أدنى مستوياتها منذ عام 2021. ولا يعود ذلك فحسب إلى الأرباح القوية لشركات التكنولوجيا العملاقة التي كان من المتوقع أن تقود الزخم، فقد سجلت الشركات المدرجة من غير قطاع التكنولوجيا أكبر مفاجآت إيجابية في الأرباح منذ الربع الأخير من 2024، وفقاً لشركة “سيبورت ريسيرش بارتنرز" (Seaport Research Partners).
بالنسبة لمستثمري "وول ستريت"، يمثل ذلك تصويتاً بالثقة في ماكينة أرباح الشركات الأمريكية، التي تواصل العمل بقوة رغم صدمة أسعار النفط، واضطرابات الرسوم الجمركية، وتزايد المخاوف بشأن قوة إنفاق المستهلك الأميركي.
"عند النظر إلى نتائج الشركات، أرى أن من التواضع وصفها بالمرونة. هناك قوة حقيقية وواضحة" على حد وصف مارتا نورتون، كبيرة استراتيجيي الأسواق في "إمباور" (Empower). وأضافت: "أساس الاقتصاد أثبت أنه قوي جداً".
هذه القوة تظهر في مختلف القطاعات. فالشركات الصغيرة تحقق أداءً قوياً، وأرباح البنوك مزدهرة، بينما تواصل الشركات تجاوز عقبات الاقتصاد الكلي، رغم استمرار بعض المخاوف.
فيما يلي خمسة محاور يراقب المستثمرون تطوراتها خلال موسم النتائج:
تصدرت المشهد هذا الأسبوع شركات "مايكروسوفت" (Microsoft) و"أمازون" (Amazon) و"ألفابت" (Alphabet) و"ميتا بلاتفورمز" (Meta Platforms) و"أبل" (Apple) — وتشكل مجتمعة نحو ربع القيمة السوقية لمؤشر "إس آند بي 500"، حيث جاءت نتائجها في المجمل أفضل من المتوقع، إلا أن أسهم "ميتا" و"مايكروسوفت" تراجعت وسط مخاوف متعلقة بخطط الإنفاق الرأسمالي.
في الوقت نفسه، استمر صعود أسهم شركات أشباه الموصلات. وتصدرت أسهم "إنتل" (Intel) الأداء في السوق بقفزة نسبتها 114% خلال أبريل، مدعومة بتوقعات للمبيعات تجاوزت التقديرات. كما جاءت أسهم "تكساس إنسترومنتس" (Texas Instruments) بين أبرز الرابحين بفضل النتائج. وبعد مكاسب قاربت 50% خلال موجة صعود استمرت 18 جلسة الشهر الماضي، أغلق مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات عند مستوى قياسي يوم الجمعة.
وعلى نطاق أوسع، قفزت أرباح شركات تكنولوجيا المعلومات بمؤشر "إس آند بي 500" حوالي 50% على أساس نصيب السهم من الأرباح، متفوقة على المؤشر الأوسع نطاقاً الذي زاد 30%. ويدفع ذلك المحللين إلى رفع الأسعار المستهدفة.
صعود مؤشر "راسل"
صمود الاقتصاد الأميركي ونمو الأرباح أصبحا يسهمان أخيراً في دفع الأسهم الأعلى مخاطرة، بعد فترات متقطعة من الأداء المتفوق في السنوات الأخيرة. وتُظهر أسهم الشركات الصغيرة زخماً طويل الأمد ونمواً سريعاً في الأرباح من النوع الذي قد يمهد لمكاسب ممتدة في القطاع، بحسب كيث ليرنر، كبير مسؤولي الاستثمار وكبير استراتيجيي السوق في "ترويست أدفايزوري سيرفيسز" (Truist Advisory Services).
وقال: "نلاحظ أن تقديرات الأرباح المستقبلية ترتفع إلى مستويات قياسية جديدة كل أسبوع".
اقرأ أيضاً: ثقة المستهلكين الأميركيين ترتفع في أبريل مخالفةً التوقعات
مؤشر راسل 2000 (Russell 2000) ارتفع بنسبة 13% منذ بداية 2026، متجاوزاً بكثير مكاسب مؤشر "إس آند بي 500" البالغة 5.6%.
الشركات الصغيرة "تنفذ معظم أعمالها محلياً، وبالتالي تستفيد بشكل أكبر من قوة البيئة الاقتصادية الأمريكية" على حد قول مايك ديكسون، رئيس الأبحاث في "هورايزن إنفستمنتس" (Horizon Investments).
طفرة البنوك
حققت البنوك الأمريكية الكبرى أعلى أرباحها الفصلية على الإطلاق، وأبدى المسؤولون التنفيذيون ثقة في الاقتصاد الأميركي متوقعين بلوغ مستويات قياسية من الإقراض. وارتفع مؤشر "كيه بي دبليو" (KBW) للبنوك بنسبة 10% في أبريل، مسجلاً أكبر مكاسبه الشهرية منذ نوفمبر 2024.
وقال جيسون غولدبرغ، المحلل في "باركليز" (Barclays): "هذا القطاع مهيأ للاستفادة من الذكاء الاصطناعي"، متوقعاً نمو أرباح البنوك، بما في ذلك "بنك أوف أمريكا" (Bank of America) و"كي كورب" (KeyCorp).
وفي "ويلز فارغو" (Wells Fargo)، قال الرئيس التنفيذي تشارلي شارف للمستثمرين إن "الوضع المالي للمستهلكين والشركات لا يزال قوياً". وأضاف أن المستهلكين ينفقون أكثر من العام الماضي، وليس على الوقود فحسب.
لكن هرمان تشان، المحلل الأول في "بلومبرغ إنتليجنس"، أبدى حذراً بشأن آفاق هوامش صافي الفائدة خلال بقية العام، خاصة إذا أرجأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة. وقال: "تشهد البنوك نشاطاً جيداً على صعيد الإقراض، لكن عدم خفض الفائدة سيؤدي لاحتدام المنافسة على الودائع لتمويل نمو القروض".
جيمي دايمون، الرئيس التنفيذي لـ"جيه بي مورغان"، أبدى حذره هو الآخر، مشيراً إلى أن تباطؤ سوق الائتمان قد يكون أسوأ من المتوقع.
صدمة نفطية
لا تزال هناك مخاوف أخرى. فالتقلبات في أسعار النفط تجعل من الصعب تقديم توقعات واضحة، وتؤثر على منتجي الطاقة والشركات المعتمدة على النفط. وتهاوت أسهم قطاع الطاقة في أبريل بعد أن قادت السوق في مارس.
أكثر من 70% من الشركات المدرجة في مؤشر "إس آند بي 500" التي أعلنت نتائجها في أبريل ذكرت كلمتي "إيران" أو "النفط"، بما يعادل ضعف إشارتها إلى "الرسوم الجمركية"، بحسب "بنك أوف أميركا". وتشير مؤشرات معنويات الشركات إلى أن تقارير الأرباح تضمنت "قدراً من الحذر"، رغم متانة العوامل الأساسية، بحسب استراتيجيي البنك.
وقال نيل هانسن، المدير المالي لشركة "إكسون موبيل" (Exxon Mobil): "جزء من صعوبة تقديم التوقعات يعود، كما يمكنكم تصور ذلك، إلى أننا لا نعلم حقاً مدة إغلاق مضيق هرمز". وتجاوزت شركة النفط العملاقة التوقعات مع ارتفاع أسعار الخام، وكذلك فعلت “شيفرون”. وارتفعت أسهم الشركتين بأكثر من 25% منذ بداية العام.
ويرى ستيف سوسنيك، كبير الاستراتيجيين في "إنتراكتيف بروكرز" (Interactive Brokers)، أن حالة الجمود في الشرق الأوسط منحت مديري الأموال في مختلف القطاعات مساحة أكبر لتأجيل خفض التوقعات في الأسابيع الماضية.
وقال: "لو كنت مستعداً لفصل مخاوفك بشأن الوضع العالمي، فمن المفترض أن تستمر الأسواق في الارتفاع".
إشارة اطمئنان
على الرغم من تقلبات النفط، يواصل الأميركيون الإنفاق، ما يعزز نتائج الشركات المرتبطة بالمستهلك. وارتفعت أسهم السلع الاستهلاكية غير الأساسية بنسبة 12% في أبريل، متفوقة على المؤشر العام، في تحول ملحوظ مقارنة مع مارس عندما أججت قفزة أسعار الوقود المخاوف من التضخم والركود، ما ضغط على القطاع.
وقالت نورتون من "إمباور": "إذا كنت تنتظر إشارة الاطمئنان، فقد فات الأوان".
ارتفاع سهم "أمازون" بنسبة 27% خلال أبريل أسهم في دعم القطاع، لكن القوة لم تقتصر على الشركات الكبرى، إذ صعد ثلاثة أرباع مكونات القطاع. وارتفع سهم "ستاربكس" بنسبة 18%، بينما زاد سهم شركة بناء المنازل "دي آر هورتون" بنسبة 12%. كما صعدت أيضاً أسهم شركتي "هيلتون" و"وين ريزورتس" (Wynn Resorts) للفنادق.
ولا تزال هناك شركات رئيسية لم تعلن بعد عن نتائجها، مثل "ماكدونالدز" (McDonald’s) و"هوم ديبوت" (Home Depot) و"تي جيه إكس" (TJX).
يقدم القطاع حتى الآن صورة أفضل لإنفاق المستهلك الأميركي مقارنة بتوقعات وول ستريت، في حين تعزز البيانات الاقتصادية الأخيرة، بما في ذلك بيانات سوق العمل، تفاؤل المستثمرين، بحسب نورتون. وفي مارس، عندما أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار النفط، زاد الإنفاق الشخصي بنسبة 0.9%.
وقالت: "هناك قوة أكبر مما كنا نتصور لدى المستهلك الأميركي". والسؤال هو مدى إمكانية استمرار هذه القوة، وزخم الأرباح، إذا استمرت تقلبات النفط أو تأجل خفض أسعار الفائدة.

