لم تكن حركة سهم الشركة السعودية للأسماك التي بدأت في يونيو مجرد موجة مضاربة فيما يظهر. فالأرقام ترسم مسارا أكثر تعقيدا، سهم محدود السيولة نسبيا يتحول فجأة إلى واحد من أعلى الأسهم دورانا، بالتزامن مع فتح باب الترشح لعضوية مجلس الإدارة، وقبل جمعية عمومية انتهت برسالة حوكمة لافتة، إذ لم يوافق المساهمون على إبراء ذمة أعضاء مجلس الإدارة عن 2025، كما رفضوا صرف مكافأة لهم بقيمة 527.3 ألف ريال.
منذ أن فتح باب الترشح لعضوية مجلس الإدارة في 21 يونيو، بدأ السهم في التحرك بالنسب العليا، ليقفز السهم من 41.80 ريال إلى 86.3 ريال أثناء جلسة اليوم بارتفاع يقارب 111% قبل أن يتراجع ويغلق عند 78.45 ريال . غير أن الدلالة الأهم لا تكمن في حجم الارتفاع وحده، بل في توقيته وتركيبته. فحتى قبل فتح باب الترشح، كان السهم يتحرك بوتيرة محدودة، ولم يتجاوز متوسط تدوير الأسهم الحرة في تلك الفترة 2.5% يوميا. بعد ذلك، تبدل السلوك بالكامل.
فتح باب الترشح لعضوية مجلس الإدارة
في 18 يونيو، أعلنت الشركة فتح باب الترشح لعضوية مجلس الإدارة للدورة المقبلة، على أن يبدأ الترشح في 21 يونيو وينتهي في 21 يوليو، لدورة تمتد من أكتوبر 2026 إلى أكتوبر 2029، وبعدد 5 أعضاء. ومن أول جلسة بعد هذا الإعلان، دخل السهم في موجة صعود حادة، شملت 4 جلسات متتالية من الارتفاعات القريبة من النسبة القصوى بين 21 و24 يونيو، ثم تراجعا محدودا في 25 يونيو، قبل أن يعود إلى 3 جلسات صعود قوية بين 28 وحتى منتصف تعاملات اليوم.
خلال ثماني جلسات فقط، من 21 إلى 30 يونيو، استحوذت التداولات على 78% من إجمالي كمية الشهر، فيما بلغ معدل التدوير التراكمي للأسهم الحرة 119.4%. أي أن الجزء الأكبر من قصة حركة السهم حدث بعد إعلان فتح باب الترشح، لا قبله.
الحركة السعرية لا ترتبط بالمضاربة
هذا التسلسل يمنح زاوية الحوكمة وزنا تحليليا أكبر من تفسير الحركة بالمضاربة السعرية وحدها. فالسهم لم يتحرك فقط في إطار إعادة تسعير تقليدية لتوقعات الأرباح أو الأخبار التشغيلية، بل في فترة تصبح فيها ملكية السهم ذات قيمة مزدوجة، قيمة سوقية، وقيمة تصويتية. ومع انخفاض نسبة الحضور في الجمعية إلى 12.77%، تصبح كل كتلة تصويتية أكثر تأثيرا، خصوصا إذا كانت هناك رغبة لدى بعض المساهمين في التأثير في تركيبة المجلس أو دعم مرشحين جدد.
وجاءت الجمعية العمومية في 28 يونيو لتؤكد أن التصويت لم يكن إجراء شكليا. فقد رفض المساهمون إبراء ذمة مجلس الإدارة عن 2025، كما لم يوافقوا على صرف مكافأة لأعضاء المجلس. هذه النتيجة، في شركة شهد سهمها قبل الجمعية ارتفاعا حادا في معدلات التدوير، تعطي قراءة مختلفة لما جرى في السوق، ربما لم تكن التداولات بحثا عن مكاسب سعرية قصيرة الأجل فقط، بل جزءا من إعادة تموضع داخل قاعدة المساهمين قبل تصويت حساس.
معدل التدوير اليومي يقفز
اللافت أن الزخم لم ينته مع إعلان نتائج الجمعية صباح 29 يونيو. ففي جلستي 29 و30 يونيو، ارتفع السهم بنحو 21% فوق إغلاق 28 يونيو، وبلغ معدل التدوير في هاتين الجلستين 24.2% من الأسهم الحرة. واليوم قفز معدل التدوير اليومي إلى 47.5% من الأسهم الحرة، وهيالأعلى منذ سبتمبر 2024 وفقا لبيانات "بلومبرغ"، ما قد يشير إلى دخول السهم مرحلة تبادل ملكيات كثيف بعد انكشاف نتيجة الجمعية إلى جانب مشاركة مضاربية من قبل متعاملين في السوق.
تزامنت أخبار أحداث أخرى مع هذه المرحلة، منها تطورات عقد مزرعة الحريضة وتجديد الإيجار بانخفاض 99%، وهي أخبار قد تحمل أثرا تشغيليا إيجابيا في التكلفة واستمرارية الأصل. لكن ترتيب الأحداث يظل عنصرا حاسما في القراءة، إذ بدأت موجة الصعود والتدوير مباشرة بعد إعلان فتح باب الترشح، بينما جاءت بعض أخبار الحريضة لاحقا، ثم انتهت الجمعية بنتائج تصويتية معارضة للمجلس. هذا التسلسل لا يثبت وجود تنسيق بين المتداولين، لكنه يجعل فرضية رفع القوة التصويتية تفسيرًا أكثر وجاهة من قراءة الحركة كمضاربة معزولة.
سهم الأسماك في يونيو قدّم حالة تتحول فيها السيولة إلى أداة حوكمة. فعندما يقترب موعد جمعية عمومية، ويفتح باب الترشح لمجلس جديد، وتكون نسبة الحضور منخفضة، لا يعود السهم مجرد ورقة مالية تعكس توقعات الأرباح والخسائر، بل يصبح أيضا وسيلة للتأثير في القرار. وما حدث بعد الجمعية يعزز هذه القراءة، المساهمون لم يمنحوا المجلس إبراء الذمة، ولم يقروا مكافأته، فيما كان السهم قد سجل قبل ذلك واحدًا من أعلى معدلات التدوير منذ بداية 2024.




