الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية، تقترب الأسواق من دخول اجتماع دوري للفيدرالي الأمريكي دون معرفة حاسمة لاتجاه القرار: هل يرفع البنك المركزي الفائدة ربع نقطة مئوية، أم يمدد فترة التثبيت التي بدأت في ديسمبر؟

قبل ساعات من القرار، ظل التثبيت هو الاحتمال الأرجح، لكن بأغلبية لم تعد مريحة. فقد أظهرت قراءة مبكرة لعقود الفائدة احتمالًا بنحو 64% لقرار التثبيت، مقابل 36% للرفع بربع نقطة إلى 4%.

هذا الفارق لا يعني أن السوق أصبح عاجزا عن قراءة الاقتصاد. بل يعني أنه فقد المصدر الذي كان يحسم تفسير البيانات نيابة عنه، التوجيه المسبق للفيدرالي.

منذ الأزمة المالية، اعتاد البنك المركزي أن يقود الأسواق تدريجيا نحو القرار قبل اتخاذه. قد يختلف المستثمرون بشأن مسار الفائدة بعد ستة أشهر، لكنهم نادرا ما اختلفوا قبل ساعات من الاجتماع حول القرار نفسه.

التصريحات والخطابات وغيرها كانت تجعل يوم الاجتماع أقرب إلى تثبيت لما أصبح معروفا، لا إلى اكتشاف مفاجئ للسياسة.

هذا الانقسام في التوقعات تعيد الأذهان إلى سبتمبر 2015، حينما بلغ احتمال رفع الفائدة عشية الاجتماع نحو 30%، مقابل 70% للتثبيت، وهي نسبة قريبة من تسعير اليوم. وانتهى الاجتماع آنذاك دون تغيير.

صورة

هذا التقليد بدأ يتغير مع وصول كيفين وارش

في اجتماعه الأول رئيسا للفيدرالي، حذف وارش التوجيهات المستقبلية من البيان، وامتنع عن وضع توقعه الشخصي ضمن "الدوت بلوت"، ثم رفض تحديد ما قد يفعله البنك في الاجتماع التالي.

وأوضح أن الأسواق تعمل بكفاءة أكبر عندما تحلل البيانات الاقتصادية بنفسها، بدلا من محاولة توقع رد فعل الفيدرالي على كل قراءة.

كما اعتبر أن الأسعار السوقية تفقد قيمتها المعلوماتية عندما تصبح مجرد انعكاس لما يقوله البنك المركزي.

كانت النتيجة المقصودة هي إعادة الاستقلال إلى عملية التسعير. لكن النتيجة الجانبية ظهرت سريعا، قبل اجتماعه الثاني فقط، لم يعد السوق يعرف إن كان الفيدرالي سيشدد السياسة اليوم أم ينتظر.

بهذا المعنى، فإن اجتماع اليوم ليس اختبارا للفائدة وحدها، بل اختبار لنظام التواصل الجديد الذي تناولته "الاقتصادية" سابقا في تقرير نهاية "الفيدرالي" المرشد.

Thu, 18 2026

لماذا تستطيع البيانات تبرير القرارين؟

المشكلة أن الاقتصاد لا يقدم إشارة واحدة واضحة. يستند معسكر الرفع إلى بقاء التضخم أعلى من مستهدف 2% لأكثر من خمسة أعوام.

وفي توقعات يونيو، رفع أعضاء الفيدرالي تقديرهم لتضخم نفقات الاستهلاك الشخصي بنهاية 2026 إلى 3.6%، وللتضخم الأساسي إلى 3.3%. كما أظهر متوسط توقعاتهم وصول الفائدة إلى 3.8% بنهاية العام، ما يعني زيادة واحدة على الأقل عن المستوى الحالي.

إلى جانب ذلك، لا يبدو الطلب الأمريكي على السلع والخدمات ضعيفا بما يكفي لضمان تراجع التضخم تلقائيا. فقد وصف وارش النشاط الاقتصادي أمام الكونجرس بأنه صلب، وسوق العمل بأنه مستقر، فيما ارتفع الاستثمار في المعدات بنحو 8% خلال عام، وقفز الإنفاق على التقنيات المتقدمة قرابة 25%، مدفوعا ببناء مراكز البيانات والاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

من هذه الزاوية، قد يرى الفيدرالي أن تأجيل الرفع يسمح لضغوط التعريفات الجمركية والطاقة والاستثمار والسياسة المالية بالتوسع داخل أسعار الخدمات والأجور.

لكن معسكر التثبيت يمتلك أدلة مقابلة. فقد تباطأ تضخم أسعار المستهلكين في يونيو إلى 3.5% من 4.2%، وهبط التضخم الأساسي إلى 2.6% من 2.9%. وتراجع معدل البطالة إلى 4.2%، إلا أن نمو الوظائف تباطأ إلى 57 ألف وظيفة، بينما استقر نمو الأجور عند مستوى لا يشير إلى دوامة تضخمية واضحة.

كما أن رفع الفائدة بعد فترة تثبيت طويلة لا يُقرأ عادة بوصفه حركة منفردة. فالسوق سيفسره على أنه بداية دورة تشديد جديدة، والفيدرالي نادرا ما يرفع مرة واحدة ثم يتوقف. لذلك لا يقرر الأعضاء اليوم بشأن 25 نقطة أساس فقط، بل بشأن استعدادهم لاحتمال تنفيذ زيادتين أو ثلاث لاحقا.

الغموض ليس بلا سوابق.. لكن نوعه مختلف

شهد اجتماع سبتمبر 2024 انقساما أشد بشأن حجم الخفض. وقبل القرار، أعطت العقود احتمالا 61% لخفض نصف نقطة، مقابل 39% لخفض ربع نقطة. لكن السوق كانت واثقة من اتجاه السياسة نحو التيسير، الخلاف كان على السرعة فقط.

وفي سبتمبر 2015، لم يكن رفع الفائدة بعد سنوات الفائدة الصفرية محسوما، لكن احتمال الزيادة عشية الاجتماع لم يتجاوز نحو 30%. أما اليوم فالسوق لا تختلف على مقدار الحركة فحسب، بل على الانتقال من التثبيت إلى التشديد من أساسه.

Wed, 29 2026

هذه هي خصوصية الاجتماع الحالي.

قرار اليوم سيحدد حدود تجربة وارش، إذا ثبت الفيدرالي الفائدة، فلن تكون المفاجأة كبيرة من الناحية الإحصائية، لكن الأسواق ستبحث عن عدد الأصوات المعارضة وعن أي إشارة إلى رفع في سبتمبر. وقد يكون التثبيت المصحوب بانقسام داخل اللجنة مجرد تأجيل للتشديد، لا تخليا عنه.

أما إذا رفع الفائدة، فسيتجاوز عرفا استمر ثلاثة عقود. فمنذ 1994، لم ينفذ الفيدرالي زيادة عندما كان احتمالها المسعر في العقود أقل من 60%. وبذلك لن يكون القرار مجرد رفع للفائدة، بل إعلانا أن البنك المركزي لم يعد يرى تهيئة الأسواق شرطا مسبقا للتحرك.

الخطر أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع تقلبات السندات والدولار والأسهم، ولا سيما أن المستثمرين لن يعرفوا إن كانت الزيادة إجراء احترازيا منفردا أم بداية دورة كاملة.

لكن وارش قد يرى في هذا الثمن جزءا من الإصلاح نفسه. فهو يريد سوقا تستنتج السياسة من الاقتصاد، لا سوقا تنتظر أن يملي عليها الفيدرالي القرار.

لهذا، قد يكون السؤال الأهم بعد الاجتماع ليس هل رفع الفيدرالي الفائدة؟ بل هل انتهى بالفعل العصر الذي كانت فيه الأسواق تعرف الإجابة قبل أن يبدأ الاجتماع؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية