الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

غالبًا ما تُجادل البنوك المركزية بأن الصدمات السعرية تأتي وتزول في مختلف القطاعات دون أن تُؤثر بشكلٍ دائم على صورة التضخم الوطني العام، وغالبًا ما يثبت صحة هذا الادعاء. ولكن عندما تظهر 6 ضغوط سعرية في الوقت نفسه، يصعب إقناع الجمهور أو الأسواق المالية بأن التأثير التراكمي سيكون مؤقتًا.

يجتمع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هذا الأسبوع لمراجعة بيئة التضخم المتفاقمة باستمرار، حيث تتأثر الأسعار باضطرابات الطاقة وجوانب العرض، والتطورات الجيوسياسية، والتحفيز المالي، والاستثمارات التكنولوجية المحمومة، وحتى الضغوط المتعلقة بالمناخ. كما يجتمع بنك اليابان وبنك إنجلترا هذا الأسبوع، لمواجهة عديد من القضايا نفسها.

إذا نظرنا إلى كل عامل على حدة، فقد يجد صناع السياسات مبرراً مقنعاً لعدم الاستجابة لأي منها. وقد يتساءلون أيضاً، عن حق، عما إذا كانت أسعار الفائدة ستُحدث فرقاً في مواجهة الحروب أو اختناقات سلاسل التوريد، مع قلقهم في الوقت نفسه بشأن المفاضلة بين خفض التضخم والتأثير السلبي على الوظائف والنمو الاقتصادي.

لكن بالنظر إلى جميع هذه العوامل مجتمعة، قد يكون من الصعب التنبؤ بالأثر التراكمي، لا سيما أنه يأتي في ظل تضخم أساسي في الولايات المتحدة عند 3%، وليس الهدف المقبول لاستقرار الأسعار البالغ 2%. وحسب الوضع الراهن، من المتوقع أن تُظهر بيانات الإنفاق الاستهلاكي الشخصي، وهي مؤشر التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي والمقرر نشرها هذا الأسبوع، معدلات تضخم رئيسية وأساسية عند 3.7% و3.3% على التوالي في يونيو.

وبعد أن تجاوزت هذه المؤشرات هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% لأكثر من 5 سنوات متتالية، لن تشهد هذه المؤشرات انخفاضاً ملحوظاً هذا الشهر، خاصةً بعد أن أدت الأعمال العدائية المتجددة إلى ارتفاع أسعار النفط الخام، ما دفع سعر خام برنت لفترة وجيزة إلى ما فوق 100 دولار للبرميل الأسبوع الماضي. مع تزايد الغموض حول مسار الصراع في الخليج وامتداده إلى البحر الأحمر، ارتفعت مؤشرات تقلب أسعار النفط الخام إلى ضعف متوسطاتها التاريخية. لو كان النفط هو المشكلة الوحيدة، لكان لدى البنك المركزي حسابات سياسية بسيطة نسبيًا، لكن الأمر ليس كذلك.

وبينما يتجاوز متوسط ​​سعر البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة مستواه قبل عام بأكثر من 30%، بدأت المخاوف بشأن الإمدادات تتزايد أيضًا في أسعار المواد الغذائية. وقد بلغ معدل التضخم السنوي لأسعار المواد الغذائية في الولايات المتحدة 3.0% في يونيو، وفقًا لمؤشر أسعار المستهلك، وهناك الآن مخاوف من أن يشهد النصف الثاني من العام ارتفاعًا إضافيًا في أسعار المواد الغذائية العالمية بسبب توقعات حدوث ظاهرة النينيو المناخية، التي تُعد من أقوى الظواهر منذ عقود. ويمكن لهذه الظاهرة أن تؤثر سلبًا في غلة المحاصيل. وتشير بعض التقديرات إلى أن معدلات التضخم السنوية للمواد الغذائية قد تصل إلى 5% بحلول أوائل العام المقبل، ما يضيف أكثر من نصف نقطة إلى معدلات التضخم العالمية.

حتى لو كانت آثار ذلك في الاقتصادات المتقدمة أقل من آثارها في الاقتصادات الناشئة، فإن احتمال استمرار ضغوط أسعار الغذاء والطاقة خلال العام المقبل يُعدّ مثيرًا للقلق، ولا سيما مع ارتفاع التضخم بالفعل. وبطبيعة الحال، يتحول النقاش حينها إلى معدلات التضخم الأساسية التي تستثني تقلبات أسعار الغذاء والطاقة، إلا أن هذه المعدلات الأساسية تتجاوز بكثير الهدف المحدد بنسبة 2%. وعلى أي حال، تُكوّن الأسر توقعاتها بناءً على جميع الأسعار، والهدف الفعلي للاحتياطي الفيدرالي هو في الواقع الرقم الرئيسي.

كتبت الخبيرة الاقتصادية السابقة في الاحتياطي الفيدرالي، كلوديا ساهام، الأسبوع الماضي: "يُعدّ تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي المعيار لقياس نجاح الاحتياطي الفيدرالي. أما التضخم الأساسي، بغض النظر عن شكله أو مصدره، فهو أمر ثانوي بالنسبة لهذا الهدف".وقد أدرج رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، مؤشر التضخم نفسه كبندٍ للنقاش في فرق العمل المعنية بإصلاح الاحتياطي الفيدرالي، بينما روّج في الوقت نفسه لمقاييس بديلة للتضخم الأساسي. لكن من المرجح أن ينظر المستثمرون نظرة سلبية إلى أي تغيير في معايير التقييم.

كتب ديفيد كيلي، الإستراتيجي العالمي في شركة جي بي مورجان لإدارة الأصول، هذا الأسبوع: "قد يقيس الطبيب وزنك ويفحص نظامك الغذائي ونمط تمارينك. ولكن، إذا أراد حمايتك من نوبة قلبية، فعليه على الأرجح استهداف ضغط دمك. وبالمثل، فبينما توفر مقاييس التضخم الأضيق نطاقًا فهمًا أفضل لاتجاه التضخم العام، إذا كان هدف الاحتياطي الفيدرالي هو تقليل الضرر الذي يلحقه التضخم بالأسر الأمريكية، فعليه استهداف معدل التضخم الرئيسي لأسعار نفقات الاستهلاك الشخصي."

"الأساسي" ليس إلا وسيلة للوصول إلى "الرئيسي"

علاوة على ذلك، لا يمكن لأسعار الغذاء والطاقة أن تبقى مرتفعة إلى الأبد قبل أن تنتقل إلى المستهلكين، ما يضغط تصاعديًا على الرقم الأساسي نفسه، أضف إلى ذلك تجديد الرئيس دونالد ترمب لتعريفات الاستيراد الشاملة، والزيادة المحتملة في أسعار العديد من السلع الإلكترونية نتيجة ما يُسمى "تضخم الرقائق"، الذي يظهر نقص رقائق الذاكرة بسبب جنون الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وستجد نفسك أمام مقومات قفزة أخرى في أسعار السلع. هناك عوامل أخرى تُبقي الأسعار مرتفعة بشكل عام. وقد بدأت الآثار التحفيزية لقانون ترمب "الرائع والكبير" الذي صدر العام الماضي تظهر بوضوح.

في  2026، بينما تقترب الأوضاع المالية من أدنى مستوياتها خلال السنوات الخمس الماضية. في الوقت نفسه، تتزايد مؤشرات التضييق في أسواق العمل الأمريكية والعالمية، حيث سجلت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية في الولايات المتحدة أدنى مستوياتها منذ 1969. ومن المتوقع أن يشهد شهر يوليو أطول فترة منذ الحرب العالمية الثانية يبقى فيها معدل البطالة في الولايات المتحدة دون مستوى "التوظيف الكامل" المُقدّر بنحو 4.5%. ويرى خبراء الاقتصاد في بنك جيه بي مورجان أن جمود أسواق العمل في الاقتصادات المتقدمة يُعوق انخفاض التضخم بشكل عام، حيث بلغ نمو الأجور السنوي مستوى أعلى من 3% في الاقتصادات الكبرى.

لذا، ورغم وجود حجج وجيهة تُشير إلى عدم وجود ما يدعو للقلق بشأن أيٍّ من هذه العوامل التضخمية على حدة، إلا أنه من الصعب تجاهلها جميعًا في آنٍ واحد. وبالتالي، يُعدّ افتراض انخفاض التضخم بسهولة من الآن فصاعدًا وعودته تدريجيًا إلى المستوى المستهدف افتراضًا متفائلًا للغاية. كما قال كريستوفر والر، محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في تصريح لا يُنسى مطلع هذا الشهر: "إن التحديق في التضخم حتى يذوب أمام أعيننا ليس خيارًا مطروحًا".

يبدو أن سوق العقود الآجلة، الذي يتوقع ارتفاعين في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة ومعظم دول أوروبا خلال الأشهر السبعة المقبلة، قد استوعب هذه الرسالة، حتى وإن كان العديد من الاقتصاديين لا يزالون يرفضون فكرة تشديد السياسة النقدية.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية