لعقود، قيدت القواعد واللوائح القديمة في الولايات المتحدة قدرة محطات التلفزيون المحليّة، المزودة للأخبار والمعلومات الأكثر موثوقية، على المنافسة والنمو والاستثمار في مستقبلها.
في الوقت نفسه، حصدت بعض منصات التكنولوجيا العملاقة قوة اقتصادية غير مسبوقة، تفوق كل منها على جميع وسائل الإعلام التقليدية، وأعادت تشكيل طريقة استهلاك الأمريكيين للأخبار والمعلومات جذريا.
باتت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "يوتيوب" و"تيك توك" و"أمازون" و"فيسبوك" و"إنستجرام"، إلى جانب "نتفليكس"، حاضرة على معظم الشاشات في المنازل والأجهزة المحمولة.
اليوم، يمثل "يوتيوب" ثمن إجمالي مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة، بينما يتلقى واحد من كل 4 شباب بالغين الأخبار من "تيك توك"، وأرقام الإعلانات تعكس الصورة نفسها.
وفق تقديرات وحدة الأبحاث "Kagan" التابعة لـ "S&P Globa"، حقق "يوتيوب" وحده في العام الماضي أرباحا من إعلانات الفيديو أكثر مما حققته جميع قنوات البث التلفزيوني مجتمعة.
في 2026، يتوقع أحد محللي وول ستريت أن تسيطر 5 شركات رقمية فقط، وهي "فيسبوك" و"أمازون" و"مايكروسوفت" و"جوجل" و"تيك توك"، على 65% من سوق الإعلانات، بقيمة 260 مليار دولار.
يرى بيري سوك، رئيس مجموعة Nexstar الإعلامية، في مقال نشر على مجلة "فورتشن"، أن هذه الشركات ليست مصممة لإعطاء الأولوية للصحافة القائمة على الحقائق أو الحوار العام، إذ يعتمد نموذج أعمالها على عدد النقرات، لا الدقة أو المساءلة.
رغم منافسة هذه المنصات للصحافة التقليدية على الجمهور والإعلانات، فإنها لا تؤدّي الدور المجتمعي الذي تقوم به المؤسسات الإخبارية المهنية في توفير المعلومات الموثوقة وتعزيز النقاش العام، ما يجعل تأثيرها في الإعلام المحلي مصدر قلق متزايد.
المشهد مألوف. كانت الصحف المحلية في يوم من الأيام لا غنى عنها، متجذرة بعمق في مجتمعاتها وتحظى بثقة واسعة.
ومع صعود الأخبار والإعلانات عبر الإنترنت، بدأت اقتصادات هذه الصحف التدهور، وظهر منافسون جدد بحجم وانتشار لم يستطع الناشرون المحليون مجاراته.
العواقب كانت وخيمة. آلاف الصحف أغلقت وتضررت صحف أخرى بشدة.
بحسب مبادرة "Medill Local News Initiative"، فقد فقدت الصحف المحلية ما يقارب 270 ألف وظيفة خلال العشرين عاما الماضية. واليوم، تعتبر المجتمعات محظوظة إن وجدت صحيفة واحدة متبقية.
تخفيف للضغوط جاء متاخرا
بعدما خفّت القيود التنظيمية عن الصحف أخيرا، كان الوضع الاقتصادي قد انهار بالفعل، وهو تحذير لا يمكن للبث التلفزيوني المحلي تجاهله.
يرى سوك أن التلفزيون المحلي في الولايات المتحدة يواجه منعطفا مشابها، مشيرا إلى أن توسيع نطاق عمل الشركات الإعلامية أصبح ضروريا للحفاظ على قدرتها التنافسيّة واستمرار إنتاج الأخبار المحلية.
بدون القدرة على النمو، ستواجه المحطات المحلية صعوبة في المنافسة على جذب الجماهير، واستقطاب الإعلانات، والاستثمار في الصحافة التي تعد أساسية للمجتمع.
وبفضلها، يُمكن توسيع نطاق الوصول والحفاظ على شيء لا يمكن لأي خوارزمية محاكاته: الأخبار المحلية الموثوقة.
يحذر سوك من مستقبل تتراجع فيه الأصوات المحلية لصالح المحتوى الذي تديره الخوارزميات، ويعتمد فيه الجمهور على المحتوى الرائج وملخصات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات.
كما يرى أن هذا التحول قد يقلص عدد المؤسسات المعنية بنقل الحقائق ومساءلة المسؤولين وتعزيز النقاش العام، ويضعف تنوع التغطية الإخبارية التي تعكس واقع المجتمعات المحلية.

