تستعيد بحيرة الأربعين، الواقعة ضمن جدة التاريخية، زخمها وحضورها في المشهد العمراني للمدينة عبر مشروع تطويري واسع يتم تنفيذه ضمن مساعي وزارة الثقافة السعودية لإحياء جدة التاريخية وإعادة تأهيل عناصرها التراثية والبيئية.
وتمثل البحيرة أحد أبرز المواقع المرتبطة بتاريخ المنطقة، إذ شكلت على مدى عقود نقطة التقاء بين البحر والمدينة، وظلت جزءا من الواجهة البحرية التي ارتبطت عبرها جدة بحركة التجارة والحج والتواصل مع العالم.
ورغم ما شهدته جدة خلال العقود الماضية من تطوير لواجهات مدينة جدة البحرية الحديثة على امتداد ساحل البحر الأحمر من جنوبها وحتى رابغ، فإن بحيرة الأربعين تحتفظ بمكانة مختلفة بحكم ارتباطها المباشر بقلب جدة التاريخية، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ 2014.
ومن هذا المنطلق، جاءت أعمال تطوير البحيرة بوصفها أحد المحاور الرئيسية في مشروع تأهيل جدة التاريخية، الهادف إلى إعادة وصل المدينة بامتدادها البحري وتحسين البيئة الحضرية المحيطة بها.
ويستهدف المشروع إعادة تشكيل العلاقة بين جدة التاريخية والبحر وأنسنته، من خلال تطوير الواجهة الساحلية المحاذية للبحيرة، وتحسين جودة البيئة البحرية، ورفع كفاءة البنية التحتية، إلى جانب توفير مساحات عامة ومتنفسات حضرية تعزز من جودة الحياة وتدعم الأنشطة الثقافية والسياحية والترفيهية في المنطقة.
ويمتد المشروع على مساحة تقارب 600 ألف متر مربع، ليعد من أكبر مشاريع التطوير المرتبطة بجدة التاريخية خلال السنوات الأخيرة، وتحتل بحيرة الأربعين موقعا محوريا في هذه الأعمال، نظراً لما تمثله من أهمية بيئية وعمرانية، ولما يمكن أن تؤديه من دور في إعادة إحياء الواجهة البحرية التاريخية للمدينة.
ويجري تنفيذ المشروع عبر 3 مراحل رئيسة متكاملة، وشملت المرحلة الأولى أعمال التهيئة والتجهيز للموقع، حيث أُزيلت نحو 185 ألف متر مربع من العناصر القائمة، وأكثر من 12 ألف متر طولي من مرافق البنية التحتية.
وذلك إضافة إلى إزالة ما يزيد على 200 ألف متر مربع من الطرق القائمة، وتسوية نحو 300 ألف متر مربع من الأراضي وإخلاء عدد من المنشآت والمرافق التي لم تعد تتوافق مع الرؤية التطويرية الجديدة، تمهيدا للانتقال إلى المراحل اللاحقة.
أما المرحلة الثانية، التي تشهدها المنطقة حالياً، فتركز بصورة رئيسية على المعالجة البيئية والأعمال البحرية الهادفة إلى تحسين النظام البيئي للبحيرة ورفع كفاءتها التشغيلية.
وتشمل الأعمال الجارية تجريف نحو 350 ألف متر مكعب من قاع بحيرة الأربعين، بهدف تحسين جودة المياه وتعزيز حركة تدفقها، بما يسهم في استعادة التوازن البيئي للمنطقة.
كما تتضمن المرحلة إنشاء رصيف بحري بطول 972 متراً، وتنفيذ جدران بحرية ساندة بطول 490 متراً لحماية أجزاء من الواجهة الساحلية وتثبيتها، إلى جانب استكمال أعمال البنية التحتية الداعمة للمشروع.
ومن أبرز مخرجات هذه المرحلة إعادة تشكيل مساحة تقارب مليون متر مربع من البحيرة ومحيطها، بما يعزز تكاملها مع النسيج العمراني المحيط ويهيئها لاستقبال أنشطة بحرية وسياحية جديدة.
وتشمل الأعمال كذلك إنشاء منصة معلقة على دعامات بمساحة 1313 متراً مربعاً، تتيح للزوار إطلالات مباشرة على البحيرة والواجهة البحرية، وتوفر مساحة إضافية للأنشطة العامة والتنزه.
كما تمهد أعمال التطوير لإنشاء مرسى لليخوت ومنصات للنقل البحري، بما يعزز من حضور الأنشطة البحرية ويرفع من جاذبية المنطقة كوجهة سياحية وترفيهية على ساحل البحر الأحمر.
وفي مؤشر على حجم الأعمال المنفذة، سجل المشروع إنجاز مليون ساعة عمل آمنة بمشاركة 690 موظفا وعاملا، ما يبرز مستوى الالتزام بمعايير السلامة والجودة خلال مراحل التنفيذ المختلفة، بالتزامن مع استمرار التقدم في أعمال المرحلة الثانية.
أما المرحلة الثالثة والأخيرة، فستركز على استكمال عناصر التطوير الحضري، من خلال إنشاء مرافق عامة وترفيهية ومساحات خضراء واسعة وجسور للمشاة ومناطق مفتوحة للفعاليات المجتمعية والثقافية.
وتهدف هذه الأعمال إلى تعزيز مفهوم الأنسنة في الفضاءات العامة وإيجاد بيئة حضرية أكثر استدامة وتوازنا بين المحافظة على الهوية التاريخية ومتطلبات التنمية الحديثة.
ومع اكتمال المشروع، يتوقع أن تستعيد بحيرة الأربعين دورها بوصفها إحدى أبرز واجهات جدة التاريخية، وأن تسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين المدينة والبحر ضمن نموذج تنموي يجمع بين المعالجة البيئية والحفاظ على التراث وتحفيز النشاط السياحي.
كما ستوفر الواجهة البحرية الجديدة فضاءات عامة أكثر حيوية واستدامة، تبرز المكانة التاريخية لجدة بوصفها بوابة البحر الأحمر إلى مكة المكرمة، وتفتح فصلاً جديداً في مسيرة تطوير المنطقة التاريخية وإحيائها للأجيال المقبلة.