الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026|18 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

تتجه العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين السعودية والبرتغال إلى مرحلة جديدة تتجاوز التجارة التقليدية، مع تنامي فرص الشراكة في قطاعات الصحة والتقنية والطاقة والتعدين والصناعة والسياحة، وسط توجه متزايد من الشركات البرتغالية لتعزيز حضورها داخل السوق السعودية.

بدأت اليوم الاثنين الزيارة الرسمية لفهد الجلاجل، وزير الصحة السعودي، إلى البرتغال، التي شهدت انعقاد الاجتماع المشترك السابع لمجلس الأعمال السعودي–البرتغالي، بمشاركة ممثلين من قطاعي الأعمال في البلدين، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم مع القطاع الصحي الخاص لتعزيز التعاون بين الجانبين.

يأتي الحراك في وقت تتقاطع فيه مستهدفات «رؤية السعودية 2030» مع الخبرات والقدرات البرتغالية في عدد من القطاعات، ما يفتح المجال أمام انتقال العلاقة من نموذج التبادل التجاري إلى الشراكات الاستثمارية والتصنيع المشترك ونقل التقنية.

اقرأ أيضا: 30 شركة برتغالية تبحث فرص الاستثمار الصحي والبحثي مع السعودية | صحيفة الاقتصادية

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل
وزير الصحة السعودي

1.85 مليار ريال تجارة بين السعودية والبرتغال

بلغ إجمالي حجم التجارة بين السعودية والبرتغال نحو 1.85 مليار ريال خلال 2025، وفق أحدث البيانات المتاحة، توزعت بين صادرات سعودية بقيمة تقارب 850 مليون ريال وواردات بنحو مليار ريال.

تتركز الصادرات السعودية في الوقود والزيوت المعدنية واللدائن والحديد والصلب، فيما تشمل أبرز الواردات من البرتغال الآلات والمعدات الكهربائية والمنتجات الصيدلانية والآلات الصناعية.

تشير تركيبة التجارة إلى وجود مساحة كبيرة لزيادة القيمة المضافة في العلاقات الاقتصادية، عبر توطين صناعات مشتركة وربط سلاسل الإمداد بدلا من اقتصار العلاقة على تصدير واستيراد السلع.

تواصلت وتيرة التجارة خلال 2026، إذ بلغت صادرات السعودية إلى البرتغال نحو 32.5 مليون ريال في فبراير الماضي، بارتفاع 45.8% على أساس سنوي، بحسب بيانات التجارة الدولية.

60 شركة برتغالية في السوق السعودية

يتزامن نمو العلاقات التجارية مع ارتفاع اهتمام الشركات البرتغالية بالسوق السعودية، حيث تشير المعطيات المتداولة في قطاع الأعمال إلى وصول عدد الشركات البرتغالية الموجودة أو الساعية إلى دخول السوق السعودية إلى نحو 60 شركة.

وشملت التحركات التجارية بعثات برتغالية ضمت أكثر من 50 شركة في قطاعات الإنشاءات والتجهيزات المنزلية والأزياء، في مؤشر على اتساع نطاق الاهتمام بالسوق السعودية وعدم اقتصاره على قطاع محدد.

ويؤدي مجلس الأعمال السعودي–البرتغالي دورا في توسيع قنوات التواصل بين قطاعي الأعمال، وفتح المجال أمام شراكات جديدة في الصحة والتقنية والهندسة والإنشاءات والصناعة والطاقة والسياحة والخدمات اللوجستية والأغذية والزراعة.

السعودية والبرتغال توسعان الشراكة الصحية.. مذكرات تفاهم في الدواء والتقنية والطب الدقيق | صحيفة الاقتصادية

آنا باولا مارتينش وزيرة الصحة البرتغالية
آنا باولا مارتينش وزيرة الصحة البرتغالية
آنا

الصحة .. بوابة الشراكة الأبرز

يبرز القطاع الصحي باعتباره أحد أكثر المجالات قابلية لتحويل التعاون السعودي–البرتغالي إلى مشروعات استثمارية مباشرة، مدعوما بتوسع الإنفاق والاستثمار الصحي في السعودية، مقابل امتلاك البرتغال خبرات في الصناعات الدوائية والتقنيات الطبية والبحث والتطوير.

وتعتزم وكالة الاستثمار والتجارة الخارجية البرتغالية «AICEP» تنظيم بعثة أعمال متخصصة في قطاع الصحة وعلوم الحياة إلى السعودية خلال الفترة من 27 إلى 30 أكتوبر 2026، تحت مظلة «Global Health».

وتشمل مجالات التعاون المحتملة التكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعي الصحي، والصناعات الدوائية، والأجهزة والمستلزمات الطبية، والبحث والتطوير، والتشخيص، والرعاية الصحية الرقمية، والتدريب ونقل المعرفة.

كما تتيح هذه المجالات إمكانية تأسيس شركات مشتركة داخل السعودية، تجمع رأس المال والسوق المحلية مع التكنولوجيا والخبرات البرتغالية، مع إمكانية التوسع لاحقا إلى أسواق الخليج والمنطقة.

WhatsApp Image 2026-08-31 at 17.19.52

التعدين .. من استخراج المعادن إلى التصنيع

يمثل التعدين والصناعات المعدنية مجالا آخر مرشحا لتعميق التعاون، في ظل سعي السعودية إلى تطوير قطاع التعدين وتحويل الثروات المعدنية إلى رافد رئيسي للاقتصاد غير النفطي.

وفي المقابل، تمتلك البرتغال خبرات في التعدين والمواد المتقدمة وبعض الصناعات المرتبطة بالبطاريات، ما يتيح فرصا للتعاون في مجالات الاستكشاف والمعالجة والتصنيع.

وقد يتجاوز التعاون المستقبلي تجارة المعادن إلى إقامة مشروعات متكاملة تشمل التعدين والمعالجة والصناعات التحويلية والمواد الداخلة في تصنيع البطاريات ومكونات السيارات الكهربائية.

ويمثل هذا النموذج أحد أكثر المسارات قدرة على خلق قيمة مضافة محلية، خصوصا إذا ارتبط بالتصنيع داخل السعودية وتطوير سلاسل توريد موجهة للتصدير.

الطاقة الخضراء والهيدروجين

تظهر الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر ضمن القطاعات الواعدة أيضا، مع تكامل نسبي بين مقومات البلدين؛ فالسعودية تمتلك موارد الطاقة ورأس المال والمشروعات الكبرى، بينما طورت البرتغال خبرات في الطاقة المتجددة والتقنيات الخضراء.

وتشمل فرص التعاون الطاقة الشمسية، والهيدروجين الأخضر، والأمونيا الخضراء، وتخزين الطاقة، وكفاءة استهلاك الطاقة والتقنيات منخفضة الانبعاثات.

ويمكن لهذه الشراكات أن تتيح للشركات البرتغالية المشاركة في مشاريع التحول في قطاع الطاقة السعودي، وفي الوقت نفسه تمنح المستثمرين السعوديين فرصا للوصول إلى تقنيات وخبرات أوروبية في الاقتصاد الأخضر.

من التجارة إلى الاستثمار

رغم تنامي النشاط التجاري، فإن حجم التجارة الحالي لا يعكس بالكامل الإمكانات الاقتصادية للعلاقة بين البلدين، خصوصا مع اتساع قاعدة الشركات البرتغالية المهتمة بالسوق السعودية.

ولا توجد حتى الآن قيمة رسمية إجمالية للمشروعات الاستثمارية السعودية–البرتغالية المستقبلية يمكن اعتبارها التزامات استثمارية، لذلك فإن الحديث عن فرص بمليارات الريالات يظل مرتبطا بإمكانية تحويل مذكرات التفاهم والبعثات التجارية إلى مشاريع فعلية.

لكن اتساع مجالات التعاون في قطاعات الصحة والتعدين والطاقة والصناعة والبنية التحتية يمكن أن ينقل العلاقات الاستثمارية تدريجيا من مشروعات صغيرة ومتوسطة إلى مشاريع أكبر بقيمة مئات الملايين ومليارات الريالات.

ويبدو النموذج الأكثر جاذبية للمرحلة المقبلة قائما على رأس مال سعودي، وتقنية وخبرة برتغالية، وتصنيع داخل السعودية، ثم التصدير إلى أسواق الخليج وأوروبا وإفريقيا.

وبذلك، لا تقتصر أهمية التقارب بين الرياض ولشبونة على زيادة حجم التجارة، بل تمتد إلى إمكانية بناء شراكات إنتاجية طويلة الأجل، تدعم تنويع الاقتصاد السعودي وتمنح الشركات البرتغالية بوابة أوسع إلى أسواق المنطقة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية