تواصل منشآت القطاع الخاص في السعودية تسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، في انعكاس واضح للتحول الذي تشهده بيئة الأعمال مع توسع الاستثمارات الحكومية في البنية الرقمية، وارتفاع اعتماد الشركات على التقنيات الذكية لرفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة التشغيلية.
أظهرت نتائج إحصاءات نفاذ واستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات للمنشآت لعام 2025، التي نشرتها الهيئة العامة للإحصاء، ارتفاع نسبة المنشآت التي تستخدم الذكاء الاصطناعي إلى 33.1% العام الماضي، مقابل 27.6% بنهاية عام 2024.
تعني هذه الأرقام أن نحو منشأة من كل ثلاث منشآت في السعودية أصبحت تستخدم تطبيقا واحدا على الأقل من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في أعمالها، سواء في تحليل البيانات، أو خدمة العملاء، أو الأتمتة، أو التسويق، أو دعم اتخاذ القرار.
التحول يمتد من قطاع التقنية إلى الاقتصاد كاملا
تكشف البيانات أن انتشار الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرا على شركات التقنية وشركات الاتصالات، إذ سجلت جميع الأنشطة الاقتصادية الـ18 ارتفاعًا في معدلات الاستخدام مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس اتساع التحول الرقمي ليشمل معظم مكونات الاقتصاد السعودي.
رغم احتفاظ قطاع المعلومات والاتصالات بأعلى معدل استخدام بلغ 61.1%، تلته أنشطة المال والتأمين بنسبة 52.9%، ثم التعليم بنسبة 51%، فإن المقارنة السنوية تظهر أن أكبر القفزات جاءت من قطاعات تشغيلية وإنتاجية كانت أقل استخداما للتقنية في السابق.
سجل قطاع توصيل الكهرباء والغاز أكبر زيادة سنوية، مرتفعا من 25.7% إلى 35.4%، تلاه التعدين واستغلال المحاجر، ثم إمدادات المياه والصرف الصحي فيما ارتفعت نسبة المنشآت التعليمية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي إلى 51%.
تشير هذه القفزات إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح يدخل بصورة متزايدة في إدارة وتشغيل القطاعات الإنتاجية، من خلال تطبيقات مثل الصيانة، تحليل البيانات التشغيلية، وتحسين كفاءة استهلاك الموارد، وإدارة سلاسل الإمداد.
كما تجاوزت نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي 30% في معظم القطاعات التقليدية، بما في ذلك الصناعة التحويلية، والتشييد، والزراعة، وتجارة الجملة والتجزئة، والإقامة والطعام، وهو ما يعكس توسع استخدام التقنية خارج القطاعات الرقمية.

ثلث المنشآت في السعودية تستخدم تقنيات الذكاء الإصطناعي-02 (1)
استثمارات حكومية تدفع التحول
يتزامن هذا النمو مع تسارع تنفيذ مستهدفات رؤية السعودية 2030 الهادفة إلى جعل السعودية مركزا عالميًا للبيانات والذكاء الاصطناعي، من خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وتطوير الأطر التنظيمية، وتأهيل الكفاءات الوطنية، إلى جانب تعزيز تبني حلول الذكاء الاصطناعي في القطاعين الحكومي والخاص.
خلال العامين الماضيين، شهدت المملكة الإعلان عن سلسلة من المبادرات والاستثمارات في البنية التحتية للحوسبة والذكاء الاصطناعي، بما يعزز قدرة الشركات على تبني هذه التقنيات وتوسيع استخدامها في مختلف الأنشطة الاقتصادية.
اتجاهات السعودية تتماشى مع الاقتصادات المتقدمة
لا يقتصر تسارع استخدام الذكاء الاصطناعي على السعودية، بل يأتي ضمن موجة عالمية تشهدها الشركات في مختلف الاقتصادات، غير أن ما يميز الموقف السعودي هو حجم الفارق لا مجرد اتجاهه.
بحسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD"، ارتفع متوسط استخدام الشركات للذكاء الاصطناعي إلى 20.2% خلال عام 2025، مقارنة بـ14.2% في عام 2024، وبهذا تتجاوز المملكة متوسط دول المنظمة بفارق 13 نقطة مئوية.
تكشف المقارنة أيضا عن تشابه في طبيعة التحول، إذ لم يعد النمو يقتصر على القطاعات الرقمية في أي من الاقتصادين، بل امتد إلى الأنشطة التقليدية التي كانت متأخرة نسبياً في استخدام التقنية خلال السنوات الماضية.
كما تجاوزت نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي 35% في عدد من دول الشمال الأوروبي، من بينها الدنمارك وفنلندا والسويد.
ومع ذلك، لا تزال الفجوة كبيرة بين الشركات بحسب حجمها، إذ يستخدم الذكاء الاصطناعي 52% من الشركات الكبيرة، مقابل 17.4% فقط من الشركات الصغيرة.
ويرجح أن يكون الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي متعددة الاستخدامات، مثل ChatGPT و Copilot، والمتاحة على نطاق واسع منذ عام 2024، وفق ما تشير إليه بيانات المنظمة.


