مع بدء تطبيق تعديل أسعار الوقود مطلع العام الجاري، واصلت السوق مرحلة إصلاحية تستهدف تصحيح التسعير لحماية الموارد غير متجددة وتعزيز كفاءة استخدامها، بما يدعم الاستقرار المالي واستدامة النمو الاقتصادي.
في موازاة هذا التحول، كشفت إفصاحات الشركات المدرجة البالغة 17 شركة، عن تباين واضح في القدرة على التكيّف مع الأثر المالي، سواء من حيث مستوى الشفافية أو أدوات المعالجة التشغيلية، وهو تباين يعكس اختلاف الجاهزية وكفاءة إدارة التكاليف.
يواكب هذا الإصلاح السعري برامج حكومية داعمة، في مقدمتها مبادرة برنامج التنافسية، لتسهيل انتقال القطاع الخاص نحو نماذج تشغيل أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
شركات حددت الأثر وأدوات المعالجة
شركة المراعي الوحيدة التي حدد رقما صريحا بالأثر، حيث قدّرت الأثر المباشر لزيادة سعر الديزل بنحو 70 مليون ريال خلال 2026، إضافة إلى أثر غير مباشر عبر سلاسل الإمداد، مؤكدة التركيز على كفاءة الأعمال وتحسين التكاليف لتخفيف الضغط على الهوامش.
في قطاع الأسمنت، اتجه عدد كبير من الشركات أما تحديد نسبة من تكاليف الإنتاج العام أو لم تحدد الأثر بعد، أسمنت الرياض أعلنت أن الزيادة ستؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج بنحو 6%، مع استمرار البحث عن حلول لاحتواء الأثر وأعلنت لاحقا عن توقيع عقداً بهدف التحول إلى الغاز الطبيعي في إطار برنامج إزاحة الوقود السائل بقيمة 59.4 مليون ريال.
في المقابل أفصحت أسمنت المنطقة الشمالية وأسمنت العربية عن أثر مباشر يقدر بـ 11% على تكلفة الإنتاج، مع خطط لخفض التكاليف وتحسين الكفاءة.
عدد من شركات الأسمنت أشارت صراحة إلى الانضمام لبرنامج تنافسية القطاع الصناعي منذ 2024، باعتباره أداة تخفيف رئيسية، من بينها أسمنت المدينة، أسمنت الجنوبية، أسمنت ينبع، أسمنت القصيم، أسمنت تبوك، جبسكو، وأسمنت نجران.
الأخيرة ذهبت أبعد من ذلك بتشغيل وحدة استغلال الطاقة الحرارية المفقودة (WHR) لتوليد الكهرباء، ما يعكس تحوّلا تقنيا يحد من حساسية التكاليف لأسعار الوقود.
خارج قطاع الأسمنت، قدرت الشرق الأوسط لصناعة وإنتاج الورق "مبكو" الأثر بـ 1.8% من إجمالي تكلفة المبيعات السنوية، مع تركيز على الاستثمار في تقنيات الإنتاج.
كما أعلنت "مرافق" أن الأثر المتوقع يعادل 5.6% من إجمالي تكلفة المبيعات، مؤكدة العمل على تحسين كفاءة الإنتاج وخفض التكاليف الإجمالية.
شركات تكتفي بالإشارة للأثر وتؤجل الأرقام
اكتفت شركات أخرى بالإشارة إلى وجود أثر مالي دون الإفصاح عن حجمه، مع وعد بالتحديث لاحقا. تشمل نادك، الخزف السعودي، أسمنت أم القرى، أسمنت الجنوبية، أسمنت المدينة، أسمنت ينبع، أسمنت الجوف، أسمنت القصيم، أسمنت نجران، أسمنت تبوك، أكدت أن الأثر سيظهر ابتداء من الربع الأول 2026 وأن احتسابه لا يزال جاريا.
الدعم السابق .. منافع غير متوازنة
بلغت قيمة الدعم الحكومي لمنتجات الطاقة والمياه قبل 2015 نحو 300 مليار ريال وفقا لبرنامج تحقيق التوازن المالي، وتسهم الأسعار المدعومة في تحفيز النمو المتسارع في استهلاك موارد الدولة، لذلك لا يمكن على المدى الطويل استمرار موارد غير متجددة بشكل جائر.
يأتي الإصلاح للحفاظ على التكلفة البديلة من تحصيل السعر الأمثل لمواردها الطبيعية، وبالتالي استخدام تلك الإيرادات المفقودة في الاستثمار في قطاعات أخرى بهدف تحقيق التنويع الاقتصادي وتوفير منافع مختلفة للقطاع السكني وغير السكني.
لا تمثل استفادة فئات الدخل المحدود والمتوسط المنخفض من الدعم الحكومي للطاقة سوى 30% فقط من قيمة الدعم المقدم لمنتجات الطاقة والمياه بسبب هيكل الدعم السابق، مما جعل المنافع المكتسبة تنمو طرديا مع نمو الاستهلاك.
نظرا لتأثير الإصلاح على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، عملت السعودية على وضع سياسات لدعمها خلال المرحلة الانتقالية لتصبح أكثر كفاءة وأكثر قدرة على المنافسة عالميا.
تعديل أسعار الطاقة من شأنه أن يحفز القطاع الخاص على التحول للجيل الرابع من الصناعة، باستخدام التطبيقات الروبوتية المتقدمة، والذكاء الصناعي، وإنترنت الأشياء، وتحليلات البيانات المتقدمة، التي توفر مزايا تنافسية للسعودية من خلال زيادة الإنتاجية وتخفيض التكاليف والإسهام في جاذبية الاستثمارات الدولية.
مبادرة برنامج التنافسية
يرتكز على تصميم وتنفيذ منظومة متكاملة تمكّن الصناعات المحلية من رفع كفاءة الاستهلاك وتحسين جودة المنتجات، عبر خطة تنفيذية تشمل تطوير المرافق المساندة للقطاعات الاقتصادية المستهدفة.
كما يوفر البرنامج حلولا مالية، تشمل دعم القروض والإقراض، لمساندة المصانع والمرافق في تحسين كفاءتها التشغيلية وتبني حلول تشغيلية بديلة، مثل التحول من الوقود السائل إلى مصادر طاقة أكثر كفاءة، بما يسهم في الحد من آثار تعديل أسعار منتجات الطاقة والمياه.
يواكب ذلك تركيز على رفع كفاءة القوى العاملة وتعزيز الكفاءة التشغيلية، بما يدعم استدامة المرافق ويحافظ على القدرة التنافسية للقطاعات الاقتصادية المستهدفة على المدى المتوسط والطويل.