من المتوقع أن تمثل قرارات "التوازن" التي صدرت خلال 2025 نقطة تحول في كسر احتكار الأراضي ووقف موجة الارتفاعات السعرية في السعودية وخاصة الرياض، والتحول من المعالجة المرحلية إلى الاستدامة طويلة الأجل، معتبرين أن 2026 سيكون بداية مرحلة "الاستقرار والنضج" وفق ما ذكره لـ"الاقتصادية" خبراء ومختصون في القطاع العقاري.
عام 2025 شهد تحولات جذرية في المشهد العقاري السعودي، مع تركيز مكثف على العاصمة الرياض لضبط وتيرة النمو المتسارعة، في أسعار العقارات من حيث التملك أو الإيجار.
الاستخدام الفعلي بدلا من المكاسب السريعة
يتوقع صالح السيف، الرئيس التنفيذي لشركة رافن العقارية، أن تسهم هذه الحزمة من الإجراءات في تحقيق استقرار ملحوظ يحد من التقلبات الحادة، مشيرا إلى أن السوق ستشهد تراجعا ملموسا في العمليات المضاربية، حيث سيتحول النشاط نحو الطلب الحقيقي المرتبط بالاستخدام الفعلي، ما يضمن نموا مستداما بعيدا عن الفقاعات السعرية.
من جانبه، أوضح العبودي بن عبدالله، الرئيس التنفيذي لحاضنة المساكن العقارية، أن الرياض اتخذت في 2025 عبر "حزمة التوازن العقاري" إجراءات ذات أثر مباشر في العرض والأسعار، كان أبرزها رفع إتاحة الأراضي وتخفيف قيود التطوير في مناطق شمال العاصمة.
أشار العبودي إلى أن إطلاق منصة "التوازن العقاري" يستهدف توفير ما بين 10 إلى 40 ألف قطعة سكنية مطورة سنويا لمدة 5 سنوات، وبسقف سعري لا يتجاوز 1500 ريال للمتر المربع في أحياء إستراتيجية مثل (الملقا، القيروان، النرجس، والنخيل)، مع فرض قيود تصرف لمدة 10 سنوات، إضافة إلى تجميد زيادة الإيجارات في النطاق الحضري للرياض لمدة خمس سنوات.
وأضاف: "وجود سقف سعري مرجعي يضغط بقوة على علاوات المضاربة ويعيد تسعير الأراضي الخام المحيطة، كما أن تجميد الإيجارات سيقلل صدمة التضخم السكني وينعكس إيجابيا على قرارات الأسر والشركات في التوسع والتوظيف".
التسلسل الزمني لأبرز قرارات 2025
في مارس الماضي وجه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بـ5 إجراءات لمواجهة ارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات في العاصمة السعودية الرياض، تمثل أولها في رفع الإيقاف عن التصرف بالبيع والشراء والتقسيم والتجزئة، وإصدار رخص البناء واعتماد المخططات للأرض الواقعة شمال مدينة الرياض بمساحة إجمالية 81 مليون متر مربع.
نصت الإجراءات الجديدة على قيام الهيئة الملكية لمدينة الرياض بالعمل على توفير أراض سكنية مخططة ومطورة للمواطنين بعدد ما بين 10 إلى 40 ألف قطعة سنويا خلال السنوات الخمس المقبلة حسب العرض والطلب، وبأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع، للمواطنين المتزوجين أو من تتجاوز أعمارهم 25 سنة.
كما تضمنت إصدار التعديلات المقترحة على نظام رسوم الأراضي البيضاء، واتخاذ الإجراءات النظامية اللازمة لضبط العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين بما يكفل تحقيق التوازن بين مصالح الأطراف، إلى جانب تكليف الهيئة العامة للعقار والهيئة الملكية لمدينة الرياض برصد ومراقبة أسعار العقار في مدينة الرياض والرفع بتقارير دورية.
منذ ذلك صدرت لائحة الرسوم البيضاء الجديدة التي تضمنت رسوما تصل إلى 10% على بعض الأراضي الخام، إضافة إلى قرار بتثبيت أسعار الإيجارات في العاصمة لمدة 5 سنوات.
منتصف ديسمبر الجاري أعلنت الهيئة الملكية لمدينة الرياض صدور نتائج القرعة الإلكترونية لشراء الأراضي السكنية عبر منصة التوازن العقاري، وذلك بعد استكمال جميع الإجراءات المرتبطة بمرحلة التحقُّق من أهلية المتقدمين، والنظر في الاعتراضات التي سبقت إجراء القرعة.
شملت نتائج القرعة الإلكترونية تحديد مواقع الأراضي السكنية المخصَصة للمستحقين، حيث بلغ إجمالي المساحات 6.4 مليون متر مربع، توزَّعت على عدد من المواقع داخل النسيج العمراني في مدينة الرياض، وفي مواقع متعددة يجري تصميمها، ضمن أحياء القيروان، والملقا، والنخيل، والنرجس، ونمار، والرماية، والرمال، والجنادرية، بمساحة 300 متر مربع للقطعة.
الاستدامة بدلا من المعالجة المرحلية
يرى الدكتور ماجد الركبان المختص في القيادة التنظيمية في القطاع العقاري، أن هذه القرارات تخدم 3 محاور رئيسية: استدامة التطوير، تحويل العقار إلى محرك تنموي، وتوفير منتجات تلائم متطلبات الاقتصاد.
لفت إلى أن ملامح هذا التوجه بدأت تظهر بوضوح في الربع الرابع من 2025 مع زيادة المعروض ورفع القيود عن مساحات شاسعة، مما يهيئ السوق في 2026 لجذب استثمارات كبرى وتحسين جودة الحياة والإنتاجية الاقتصادية، مؤكدا أن الإطار العملي الجديد يضمن حماية القطاع من التقلبات المستقبلية عبر ضخ مستدام للأراضي واستقرار في عقود الإيجار.
في السياق ذاته، اعتبر الخبير العقاري عبدالله الموسى أن 2025 كان نقطة التحول من "المعالجة المرحلية" إلى "الاستدامة طويلة الأجل"، وتوقع أن تؤدي زيادة المعروض المنظم إلى تقليص فجوة الطلب وتوجيه السوق نحو تسعير واقعي يعتمد على جودة المنتج لا على ندرة العرض.
اختتم الموسى حديثه بالتأكيد على أن التوازن العقاري لا يقاس بسرعة التأثير بل بعمق الاستدامة، مشددا على أن ما تم التأسيس له في 2025 سيثمر في الأعوام القادمة سوقا أكثر انضباطا وشفافية يخدم المستفيد النهائي ويحافظ في الوقت ذاته على جاذبية الاستثمار العقاري المؤسسي.






