تستعد السوق العقارية السعودية لاستقبال لاعب جديد في قطاع التطوير العقاري، مع إطلاق شركة «أراد السعودية»، التي تستهدف تطوير مجتمعات عمرانية متكاملة عبر محفظة أراض تبلغ مساحتها نحو 10 ملايين متر مربع، بقيمة 50 مليار ريال.
وتتوزع المجتمعات على مواقع استراتيجية في الرياض وجدة ومكة المكرمة، في خطوة تظهر استمرار اهتمام المستثمرين بالفرص العقارية في المملكة، رغم التحولات التي يشهدها السوق على مستوى الأسعار وتكاليف التطوير والتمويل.
وتخطط "أراد السعودية" لبناء 100 ألف وحدة سكنية في مختلف أنحاء السعودية خلال 5 أعوام، بدءا بإنشاء 3500 فيلا وتاون هاوس في حي الرمال بالرياض. ومن المتوقع أن تبدأ أعمال البناء منتصف عام 2027.
وسيمول صندوق تديره شركة الراجحي المالية الجزء الأكبر من مشروع الرياض، في إطار سعي "أراد" للاستفادة من جهود السعودية الرامية إلى رفع نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى 70% بحلول عام 2030.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة «لاند أوف برايفز» العقارية، محمد ربيع عيتاني، إن الشراكة مع «إكستوبيا» تمنح «أراد السعودية» محفظة أراض واسعة، تمثل قاعدة لإطلاق مشروعات تطويرية جديدة، مشيرا إلى أن باكورة أعمال الشركة تتمثل في مخطط سكني متكامل في حي الرمال شمال شرقي الرياض، باستثمارات تناهز 14 مليار ريال.
وبحسب المعطيات المعلنة، يمتد المشروع على مساحة تبلغ 2.5 مليون متر مربع، ويضم مرافق سكنية وتجارية وترفيهية، ضمن توجه يستهدف تعزيز جودة الحياة وتطوير مفهوم الأحياء المتكاملة، فيما تعتزم الشركة الاعتماد على مزيج من التمويل عبر تأسيس صناديق استثمارية بالشراكة مع البنوك، والاقتراض، وآليات البيع على الخارطة.
وتأتي جدة بوصفها الوجهة الاستثمارية التالية للشركة، على أن يجري الإعلان رسميا عن حزمة المشروعات والبدء في تنفيذها قبل منتصف عام 2027، وفق الجدول الزمني المعلن.
ويأتي دخول "أراد" إلى السوق السعودية عقب شراكتها مع شركة "الدار العقارية" بقيمة 15 مليار درهم للتوسع في أبوظبي، إلى جانب خططها لتطوير مشروع في سوريا بقيمة 7 مليارات دولار، ومواصلة التوسع في الأسواق الدولية.
السوق السعودية.. جاذبية تتجاوز النمو العقاري
يرى عيتاني أن استمرار جاذبية السوق العقارية السعودية يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الطلب السكني الحقيقي، والنمو السكاني، والتوسع في تملك المواطنين للمساكن، إلى جانب انتقال مقرات إقليمية لشركات عالمية إلى الرياض وما يصاحبه من استقطاب للكفاءات والوافدين.
وأشار إلى أن التوقعات المتعلقة بنمو مدينة الرياض إلى نحو 10 ملايين نسمة بحلول 2030 تعزز أهمية تطوير مجتمعات سكنية قادرة على استيعاب التوسع الحضري، وتوفير منتجات تتناسب مع شرائح متنوعة من المشترين.
وأضاف أن الإصلاحات التشريعية والتنظيمية أسهمت في إعادة تشكيل معادلة الاستثمار العقاري، خصوصا مع تعديلات نظام رسوم الأراضي البيضاء، التي رفعت الحد الأعلى للرسم السنوي على الأراضي الخاضعة للنظام من 2.5% إلى 10%، وفق الضوابط المعتمدة، ما عزز الحوافز الاقتصادية أمام ملاك الأراضي لتطويرها أو الدخول في شراكات مع المطورين.
ولفت إلى أن تطور الأطر التنظيمية للبيع على الخارطة والتمويل العقاري، إلى جانب وضوح مستهدفات رؤية السعودية 2030 والمشروعات الكبرى المرتبطة باستضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، يمنح المستثمرين أفقا زمنيا أطول لتقييم الفرص وبناء استراتيجياتهم.
استثمار طويل الأجل أم اقتناص لفرص السوق؟
وحول ما إذا كان دخول «أراد السعودية» يعكس ثقة طويلة الأجل بالسوق أم استغلالا للفرص الناتجة عن التحولات السعرية، قال عيتاني إن العاملين يجتمعان في هذه المرحلة، إذ تتيح إعادة التوازن في السوق فرصا للدخول بتكاليف أكثر ملاءمة، بينما يشير الالتزام بتطوير مجتمعات متكاملة على مساحات واسعة في ثلاث مدن إلى توجه استثماري يتجاوز المكاسب قصيرة الأجل.
وأضاف أن التحول الأهم يتمثل في انتقال رأس المال من الاحتفاظ بالأراضي إلى تطويرها وتحويلها إلى منتجات عمرانية قابلة للاستخدام والتملك، معتبرا أن هذا التحول ينسجم مع أهداف السياسات الرامية إلى زيادة المعروض وتحفيز التنمية العمرانية.
المنافسة الجديدة.. هل تقود إلى انخفاض الأسعار؟
وفيما يتعلق بأثر دخول مطورين جدد في الأسعار، توقع عيتاني أن تسهم زيادة المنافسة في تعزيز التوازن تدريجيا، من خلال تحويل الأراضي إلى مشروعات ووحدات سكنية، بدلا من بقائها أصولا غير مطورة.
وأشار إلى أن بعض الأراضي في شمال الرياض شهدت، بحسب تقديراته، تراجعات سعرية وصلت إلى 50% وأكثر في حالات محددة، مقارنة بمستويات سابقة، ما يعكس حجم التغيرات التي تمر بها السوق، مع ضرورة التمييز بين الحالات الفردية واتجاهات الأسعار على مستوى السوق ككل.
وأضاف أن دخول مطورين يمتلكون قدرات تمويلية وتنفيذية كبيرة قد يرفع وتيرة تطوير الأراضي، ويزيد المنافسة على جودة المنتجات والأسعار وخطط السداد، لافتا إلى أن اختيار حي الرمال، الذي يتمتع بمستويات تكلفة مختلفة عن بعض مناطق شمال الرياض، قد يتيح استهداف شريحة أوسع من المشترين.
وتوقع أن يتجه السوق، على المدى المتوسط، نحو مزيد من الاستقرار السعري وتحسن القيمة مقابل السعر، بدلا من افتراض حدوث انخفاضات واسعة وفورية في مختلف المناطق والشرائح.
«حصتك»: الأثر يتوقف على حجم المعروض وتوقيت طرحه
من جانبه، قال حمود الغصن، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «حصتك»، إن جاذبية السوق العقارية السعودية للمستثمرين المحليين والدوليين تستند إلى مجموعة من العوامل، أبرزها التحول الاقتصادي والعمراني، والحاجة إلى منتجات سكنية متنوعة، وتطوير البنية التحتية، وتحسن البيئة التنظيمية، بما يتيح فرصا استثمارية تمتد لسنوات.
وأضاف أن دخول مطورين بمحافظ أراض كبيرة، مثل «أراد السعودية»، يعكس مؤشرات على الثقة بالفرص طويلة الأجل في المملكة، موضحا أن المشروعات المتكاملة تتطلب تخطيطا وتمويلا وتنفيذا يمتد لسنوات، وأن جدوى كل مشروع تظل مرتبطة بموقعه وتكلفته وقدرته على تقديم منتجات تتناسب مع احتياجات المشترين وقدرتهم الشرائية.
وأوضح الغصن أن دخول مطورين جدد من شأنه توسيع خيارات المشترين وتحفيز المنافسة على السعر والجودة والخدمات والالتزام بمواعيد التسليم، إلا أن إسهام هذه المشروعات في دعم التوازن العقاري يعتمد على تحول الأراضي إلى مشروعات ووحدات فعلية تطرح في السوق بوتيرة تتناسب مع الطلب.
وقال إن زيادة المعروض الملائم قد تخفف الضغوط السعرية، بل قد تسهم في انخفاض الأسعار في بعض المواقع والشرائح، لكنه شدد على أن الإعلان عن محفظة أراض كبيرة لا يعني بالضرورة انخفاضا عاما أو فوريا للأسعار، إذ يتوقف الأثر على حجم المعروض وتوقيت طرحه وتكاليف التطوير والتمويل ومستويات الطلب.
وأكد أن استدامة القطاع العقاري ترتبط بقدرة السوق على تحقيق التوازن بين الثقة الاستثمارية والقدرة الشرائية، مشيرا إلى أن المقياس الأهم لنجاح المشروعات يتمثل في ما توفره للمستفيدين من خيارات سكنية وجودة مناسبة وقيمة حقيقية مقابل السعر.
الزهراني: الميزة التنافسية في المنتج المناسب والسعر والتوقيت
بدوره، يرى صقر الزهراني، المستشار والمختص في القطاع العقاري، أن جاذبية السوق العقارية السعودية لا ترتبط بالنمو وحده، بل بقدرة المستثمر على قراءة التحولات في الطلب وسلوك المستهلك، واقتناص الفرص خلال مراحل الانكماش وإعادة التوازن.
وأوضح أن قيمة الأرض وتكلفة التطوير وتوقيت الدخول أصبحت عوامل حاسمة في بناء ميزة تنافسية مستدامة، لافتا إلى أن دخول «أراد السعودية» يعكس رهانا استراتيجيا طويل الأجل يستند إلى النمو السكاني والتحول الحضري ومستهدفات رؤية 2030، مع الاستفادة من الفرص التي تتيحها التحولات الحالية في السوق.
وأضاف أن دخول مطورين جدد يعزز تنوع المنتجات ويرفع سقف توقعات المستهلكين، وقد يسهم في خفض الأسعار من خلال زيادة المعروض، إلا أن الأثر الفعلي يظل مرتبطا بمدى مواءمة المنتجات مع القدرة الشرائية والطلب الحقيقي.
وأكد الزهراني أن المنافسة في السوق العقارية لم تعد قائمة على زيادة المعروض فحسب، بل على القدرة على تقديم المنتج المناسب بالسعر المناسب وفي التوقيت المناسب، بما يعزز فرص نجاح المشروعات واستدامة الطلب عليها.
مرحلة جديدة في تطوير السوق
يعكس دخول «أراد السعودية» بمحفظة أراض تقدر قيمتها بنحو 50 مليار ريال اتساع الفرص المتاحة أمام شركات التطوير العقاري في المملكة، لكنه يضع في الوقت ذاته اختبارا عمليا أمام المطورين الجدد، يتمثل في سرعة تحويل الأراضي إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وقدرتهم على إدارة تكاليف البناء والتمويل، وتقديم منتجات تلائم احتياجات السوق.
وبينما تعزز الاستثمارات الجديدة الثقة في مستقبل القطاع، يظل أثرها على الأسعار والتملك مرهونا بحجم الوحدات التي ستصل فعليا إلى السوق، وتوقيت طرحها، ومستويات الطلب عليها. فالمنافسة الأكثر تأثيرا ليست بالضرورة تلك التي تضيف أراضي جديدة إلى المحافظ العقارية، بل التي تحولها إلى مجتمعات متكاملة ومنتجات سكنية تحقق التوازن بين العائد الاستثماري والقدرة الشرائية للمستفيدين.





