الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية


بعد بضعة أشهر من تنحّي داستن موسكوفيتز عن رئاسة منصة إدارة العمل "أسانا" (Asana) الصيف الماضي، قال صراحة ما يبدو أن الكثير من الرؤساء التنفيذيين يعترفون به في قرارة أنفسهم هذه الأيام... المنصب أصبح مرهقاً جداً.

كان الرجل يعتقد أن مهمته ستصبح أسهل مع نضوج الشركة وتطورها، لكن بدل ذلك، زاد العالم اضطراباً. فما عاد يشعر بأنه يبني شيئاً، بل وجد نفسه في حالة استجابة دائمة لأزمة تلو أخرى، كلّها خارجة عن سيطرته.

عصر الأزمات الدائمة يرهق الرؤساء التنفيذيين

ولا عجب في ذلك. يكفي النظر إلى ما واجهه الرؤساء التنفيذيون على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية، من أعلى رسوم جمركية منذ الكساد الكبير والتي أعادت رسم سلاسل الإمداد وزادت الضغوط التضخمية، إلى حرب إيران وما أحدثته من صدمات في أسواق النفط وإعادة ترتيبها للنظام العالمي، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي بما يحمله من فرص ومخاطر، إذ يهدد بإعادة تشكيل سوق العمل، وربما إعادة تعريف مفهوم العمل نفسه.

في المقابل، أطلق المستثمرون الناشطون عدداً قياسياً من الحملات للضغط من أجل إحداث تغييرات داخل الشركات، فيما أصبحت مجالس الإدارة أكثر ميلاً لإقالة الرؤساء التنفيذيين عند أول تعثر. أما في البيت الأبيض، فيجلس رئيس قادر على الإطاحة بأسهم الشركات بمنشور واحد على منصة "تروث سوشال".

Sat, 02 2026

زد على ذلك، أن الرئيس التنفيذي بات مطالباً بإبداء مواقف من القضايا الاجتماعية، واختيار القضايا الصحيحة، وصياغة مواقفه بالطريقة المناسبة، ثم التعامل مع ردود الفعل وردود الفعل المضادة.

لكن إرضاء الجميع، أو حتى إرضاء أي أحد، بات أقرب إلى المستحيل في بيئة عمل تضم خمسة أجيال تعمل جنباً إلى جنب، من جيل "زد" إلى آخر أفراد "الجيل الصامت" الذين لا يزالون في سوق العمل. فلكل جيل علاقته المختلفة مع الوظيفة، لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً أنهم غير راضين كثيراً عن وظائفهم هذه الأيام.

يقول فرانك بليك، الرئيس التنفيذي السابق لشركة هوم ديبوت (Home Depot)، والذي يُنظر إليه على أنه أحد أبرز مستشاري الرؤساء التنفيذيين: "يبدو كأن الأحداث الاستثنائية أصبحت أمراً اعتيادياً". ويضيف: "الأمر لا يتوقف".

فكيف يمكن وضع خطة تمتد لعشر سنوات، أو حتى لخمس سنوات، وسط هذا الكم من التغيرات وحالة عدم اليقين؟ ببساطة، لا يمكن كذلك. فبحسب بليك، أصبح مجرد التفكير في ما قد يحدث العام المقبل نوعاً من الترف.

الوجه الآخر للجلوس على القمة

لطالما كانت إدارة شركة كبرى مهمة صعبة تتطلب انخراطاً متواصلاً على مدار الساعة. لكن الرؤساء التنفيذيين اليوم لم يعودوا مجرد قادة أعمال، بل أصبحوا شخصيات عامة تضعهم مناصبهم تحت مجهر التدقيق المستمر، بل يتعرضون حتى للتهديد بالعنف.

في الوقت نفسه، تراجعت الثقة بقطاع الأعمال وبالرأسمالية، لا سيما في أوساط الأجيال الشابة. لذا، ليس مستغرباً أن يُظهر أول "مؤشر للأرق لدى الرؤساء التنفيذيين" الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية (Boston Consulting Group) أن أكثر من 70% من المشاركين سجلوا مستويات من التوتر تُعدّ مرتفعة سريرياً.

جراف 1

وإذا كان لا يزال هناك ما يغريك في هذا المنصب، إليك بعض الشهادات الإضافية. قال الرئيس السابق لشركة "ستابيليتي إيه آي" (Stability AI) الناشئة لصحيفة "نيويورك تايمز" عام 2024 إنه يتفق مع وصف إيلون ماسك لمنصب الرئيس التنفيذي بأنه "أشبه بالتحديق في الهاوية ومضغ الزجاج".

وقال الرئيس التنفيذي المشارك لشركة "مونداي دوت كوم" (Monday.com) في إحدى المدونات الصوتية إنه يشعر في بعض الأيام "كما لو أن شاحنة دهسته، ثم صدمته طائرة، ثم شُوي على النار، وكل ذلك قبل الساعة الحادية عشرة صباحاً".

وحتى عندما تسير الأمور على ما يرام، لا تغيب الضغوط عن المنصب. فقال الرئيس التنفيذي لـ"تيك-تو إنتراكتيف سوفتوير" (Take-Two Interactive Software)، إحدى الشركات الناجحة في نشر ألعاب الفيديو، خلال مؤتمر للقطاع مؤخراً إن التوقعات المرتفعة للغاية لأداء شركته في الوقت الراهن "أمر مرعب".

حتى الملايين لم تعد كافية لإغراء المرشحين

نعم، أعرف ما تفكر به، لن تذرف الدموع من أجلهم. فبحسب بيانات شركة إيكويلار (Equilar)، بلغ متوسط ما تقاضاه أعلى 100 رئيس تنفيذي في الولايات المتحدة نحو 39 مليون دولار العام الماضي، وهو رقم بالتأكيد يضر بصورتهم لدى الرأي العام.

لكن مشقة المنصب لا تنعكس على طبيعة العمل فحسب، بل تمتد أيضاً إلى تقلص عدد الراغبين في توليه من الأساس.

في عام 2025، عيّنت 11% من الشركات المدرجة ضمن مؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500) رؤساء تنفيذيين جدداً، وفقاً لشركة "سبنسر ستيوارت" (Spencer Stuart)، وهي أعلى نسبة تُسجل خلال ما لا يقل عن 15 عاماً.

no image

Fri, 01 2009

كما تقلصت فترات بقاء الرؤساء التنفيذيين في مناصبهم، مدفوعة بمزيج من الإرهاق من جهة، ومجالس إدارة تخشى تفويت الفرص من جهة أخرى. إذ يقلق بعض المديرين من أن يؤدي غياب الشخص المناسب عن موقع القيادة إلى ضياع الفرص التي تطرأ خلال فترات التحولات الكبرى.

مثلاً، استبدل مجلس إدارة "يونيليفر" (Unilever) رئيسه التنفيذي العام الماضي بعد 20 شهراً فقط من توليه المنصب، بشخص رأى أنه أكثر قدرة على التحرك بسرعة وإلحاح.

2

جراف 2

لماذا يختار بعض الرؤساء التنفيذيين الرحيل؟

بعض كبار الرؤساء التنفيذيين استشرفوا ما ينتظرهم وقرروا التنحي بإرادتهم. فقد أشار كل من دوغ ماكميلون من "والمارت" وجيمس كوينسي من "كوكاكولا" إلى الذكاء الاصطناعي كأحد العوامل وراء رحيلهما، معتبرين أن شركتيهما تحتاجان إلى قادة أسرع حركة وأكثر حيوية في هذه المرحلة من التغيرات المتسارعة.

وغادر آخرون، مثل شانتانو نارايين في "أدوبي" (Adobe)، بعد تشكيك المستثمرين في قدرة شركاتهم على النجاح وسط أحدث ثورة تكنولوجية.

وهناك أيضاً رؤساء تنفيذيون، مثل أولئك الذين قادوا "كولز" (Kohl’s) و"نستله" الذين تداخلت علاقاتهم الشخصية مع حياتهم المهنية، ما أدى إلى إقالتهم. فمجالس الإدارة باتت اليوم أقل تسامحاً بكثير مع مثل هذه التصرفات وتنظر إليها كتهديد لسمعة الشركة.

اقرأ أيضاً: علاقة عاطفية تطيح برئيس "نستله" وأسهم الشركة

ولعل شركة "أسترونومر" (Astronomer) خير مثال على ذلك. فمع أن قلة من الناس كانوا قد سمعوا باسمها، فإن الجميع بات يعرف ما حدث مع رئيسها التنفيذي خلال حفل لفرقة "كولدبلاي" الصيف الماضي.

أزمة مرشحين لمنصب الرئيس التنفيذي

وبسبب ذلك، عدد متزايد من التنفيذيين الذين يراقبون المشهد من الخارج لم يعودوا متأكدين من رغبتهم في خوض هذه التجربة. تقول جين إديسون ستيفنسون، نائبة الرئيس العالمية لخدمات مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيين في شركة "كورن فيري" (Korn Ferry)، إنها تعرف قصصاً عن أشخاص كانوا مرشحين لخلافة رؤساء تنفيذيين، لكنهم خلصوا إلى أنهم لا يرغبون بهذه الترقية.

Fri, 19 2026

وأضافت "نرى الناس اليوم أكثر انتقائية في ما يتعلق بالتنازلات التي هم مستعدون لتقديمها".

من جانبه، يقول جيمس سيترين، رئيس قسم الرؤساء التنفيذيين في "سبنسر ستيوارت" (Spencer Stuart)، إنه رغم رغبة مجالس الإدارة في تعيين قادة يمتلكون خبرة سابقة في المنصب، فإنها تكتشف أن من سبق لهم شغل منصب الرئيس التنفيذي أصبحوا أكثر تردداً من أي وقت مضى في العودة إليه.

وقد يكون هذا التراجع في عدد المرشحين أحد الأسباب التي جعلت شغل المناصب القيادية العليا يستغرق وقتاً أطول، رغم أنها تُعدّ، على الورق، قمة السلم الوظيفي في عالم الشركات.

البقاء في الظل أصبح أكثر إغراءً

في المقابل، بات منصب الشخص الثاني في الشركة أكثر جاذبية. فعندما رقّى بنك "جيه بي مورغان تشيس" جينيفر بيبسزاك إلى منصب المديرة التنفيذية للعمليات العام الماضي، أوضحت صراحةً أنها لا ترغب في أن تكون بين المرشحين لخلافة جيمي دايمون، مفضلةً أن تؤدي دوراً "داعماً للقيادة العليا".

وبالمثل، ترك ثلاثة مسؤولين تنفيذيين، خلال عام ونصف العام فقط، مناصبهم كرؤساء تنفيذيين للانضمام إلى فريق القيادة في "أوبن إيه آي"، مستبدلين المنصب الأعلى بفرصة للعمل على تكنولوجيا قد تغيّر المجتمع جذرياً، وقد تفتح أيضاً الباب أمام مكاسب مالية ضخمة.

وتقول إديسون ستيفنسون إن التنفيذيين يبحثون عن النفوذ والتأثير، لكن بعضهم بات يرى أن تحقيق ذلك لا يتطلب بالضرورة الجلوس على كرسي الرئيس التنفيذي وتحمّل ما يرافقه من ضغوط .

no image

Thu, 12 2026

مزيد من النساء يعزفن عن المنصب الأعلى

لا أدري إن كان محض مصادفة أن جميع هذه الحالات البارزة لقيادات تنفيذية عزفت عن تولي منصب الرئيس التنفيذي كانت لنساء. فبالنسبة إلى بعض الفئات، تحديات المرحلة الراهنة تشمل أيضاً بيئة العمل التي أصبحت عدائية بشكل واضح تجاه القيادات التي لا تنسجم مع الصورة التقليدية للرئيس التنفيذي، أي الرجل الأبيض.

تقول شيريل ساندبرغ إن البيئة الحالية للنساء تُعد من بين الأسوأ التي شهدتها خلال مسيرتها المهنية.

اقرأ أيضاً: لماذا يترك كثير من النساء الآن الوظائف الثابتة؟

وبشكل عام، تراجعت نسبة تعيين النساء في منصب الرئيس التنفيذي ضمن شركات مؤشر "إس آند بي 500" إلى 9% العام الماضي، بعدما كانت في منتصف خانة العشرات خلال عامي 2024 و2023.

سواء كان هذا العزوف نابعاً من قناعة شخصية أو قسراً، فإنه يبعث بإشارة مقلقة بأن قاعدة المرشحين لمنصب الرئيس التنفيذي آخذة في الانكماش. وهنا تحديداً يكمن الخطر. فسيظل هناك دائماً من يتطلع إلى الجلوس على قمة الهرم الإداري، لكن مع تقلص عدد الراغبين في المنصب، تتراجع أيضاً فرص العثور على المرشح الأفضل. وعندها قد لا يقع الاختيار على الشخص الذي تريده فعلاً ليكون مديرك في قيادة الشركة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية