في عام 1982 أصدر الأمريكيان توم بيترز وبوب ووترمان مستشارا مجموعة ماكنسيMcKinsey المالية – أصدرا كتابا بعنوان " في طريق البحث عن التفوق والريادية " طرحا فيه "الأسس النظرية" التي تعتمد عليها أكثر الشركات الأمريكية نجاحا في السوق في ذلك الوقت. واحتل هذا الكتاب حينها قائمة الكتب الأكثر رواجا في مجال إدارة الأعمال متفوقا على عدد كبير من المؤلفات الأخرى.
وقبل عدة أعوام بدأت شركات بحث أمريكية أخرى في إنشاء بنك ً للمعلومات تجمع فيه عوامل وأسباب نجاح الشركات وهو ما يعرف بالعلامة الدولية PIMS التي تعني اختصارا (استراتيجية التأثير الربحي على الأسواق). ويبذل العلماء ومستشارو الشركات جهودا حثيثة لدراسة والتوصل إلي الطرق المؤكدة لنجاح الشركات في السوق من خلال تحليل ودراسة الشركات الناجحة. لكن الدراسة تهدف كذلك من خلال الدراسات والتحليلات إلى محاولة إثبات عنصر سوء الحظ في أداء بعض الشركات.
وللدلالة على هذا نذكر أن معظم الشركات التي أوردها توم بيترز وبوب ووترمان في كتابهما تراجع أداء بعضها بعد سنوات قليلة من نشر الكتاب واختفت بصورة عجيبة من محيط الشركات الأخرى المنافسة، بل لم تعد أصلا شركات ناجحة. وبرغم أن الأساليب المختلفة للتوصيات الإدارية لمعظم الشركات تتحدث عن عوامل استقرار الشركة فإن معيار النجاح يبقى دوما مرتبطا بعناصر الاستمرارية والقدرة على قيادة السوق.
وقبل عقد من الزمان كان الجميع يتحدث عن نظرية "إعادة هندسة الأسلوب التجاري للشركات" Business Re-engineering ويعد مايكل هامر ويعمل مستشارا اقتصاديا مبتكر هذا النمط، لقد تحدث عن هذا الشكل الاقتصادي في دافوس. وعقب خمسة أعوام بدأت حالة الخروج من الأوهام. وتأمل الكثير من الشركات الآن في تحقيق قدرة تنافسية من خلال استراتيجية توازن القيمة Scorecard Balanced وهي منهجية استراتيجية متوازنة تهدف إلى قياس، وتعريف، وزيادة كفاءة المهام الداخلية والخارجية للشركة، إلا أنه لا يمكن تقديم أي ضمانات أكيدة للنجاح.
والسبب هنا جوهري: فلا يمكن للمنافسة أن تبرز نفسها بنفسها. فمن ناحية تعتمد كافة هذه التحليلات والأساليب المنهجية النظرية على متابعة ومراقبة ما جرى من أمور في الماضي وكلما زاد عدد الشركات التي تستفيد من هذه المنهجيات المطروحة في القطاع، ارتفع حجم تأثيرها. ومن ناحية أخرى فإن المنافسة تعمل على توليد استراتيجيات جديدة في الإدارة يوميا حيث تتقارب الخبرات والمعارف الحالية في مجال نجاح الشركات.
ولم يبق الكثير من الشركات يكتم هذه العلاقة بصورة خاصة، وبدأت بالبحث عن الحلول لها. فعندما لا تحقق شركة ما النجاح الذي كان متوقّعاً، أو في حالة لم تؤثّر فيها المنهجيات والأساليب النظرية بطريقة فعّالة فمن الممكن حينها أن تعيّن أشخاصاً موثوقين لدعم الشركة في عملية التحوّل. وبهذا بدأ البحث عن الطرق والأساليب التي تساعد في الحفاظ على المزيد من الأمان لدى اختيار شكل الإدارة المتّبعة. ويُعد تنصيب المدير الجديد استثماراً كبيراً بحد ذاته، حيث من الممكن أن يؤدي إصدار قرارات خاطئة من قبل إدارة الشركات إلى اقترابها من حافة الهاوية. وهو ما حدث على سبيل المثل مع شركة كارشتات .
ويعتمد الأسلوب التقليدي لاختيار المديرين لأحد المناصب الداخلية على تقييم تقوم به دوائر الإدارة العليا عند مقابلة المتقدمين عن طريق مدير شؤون الموظفين، أو مستشار الموظفين. ونشأ أسلوب جديد ألماني الأصل لكنه تطوّر في الولايات المتحدة بهدف تغيير أساليب التقييم جذرياً. وتم ابتكار أنماطً مختلفة من الاختبارات وتخضع الإجابات لتقييم مراقبين مختلفين. ومن المفترض أن تعمل مواقف التقييم المختلفة واختلاف المراقبين كذلك، على الوصول إلى حكم أقرب للموضوعية إلى حد بعيد بشكل أفضل من التقييم الفردي المعتاد. وإضافة إلى هذا يفترض ربط هذه الاختبارات كذلك باختبارات أخرى نفسية يتم وضعها بطريقة فردية. ويعِد الباحثون أنفسهم بدراسة إصدار حكم مبني على أسس علمية حول كفاءة المرشحين لمناصب الإدارة.
وسهلت عملية التوسع في استخدام أجهزة الكمبيوتر من الأمر وقدمت اختبارات واضحة وجاهزة توفر للمتقدم فرصة لتقديم إجابة حاسمة في فترة زمنية تستمر نحو ساعة أو أكثر، ولعل هذا يساعد على استكشاف قدرات المتقدّم كمدير. حيث تريد الشركة أن تصل إلى أكبر قدر من الثقة والأمان في تنصيب القوى الإدارية، الذين يمكن أن يعملوا أيضاً على نجاح الشركة. ولا يعني هذا أننا نتحدث عن أفضل مدير على الإطلاق، ولكننا نعني الشخص القادر على القيام بمهام محددة ضمن شروط الشركة الفعلية.
ويتم إطلاق أساليب جديدة دائما في السوق، ولا تثير كافة نتائج أساليب التقييم والاختيار العجب لكنها في ذات الوقت لا تعني أن عمليات اختيار المديرين أصبحت سديدة دون وقوع أي خطأ. وتشير الخبرات العملية إلى أن المديرين قد يحققون نجاحا كبيرا رغم تعدد واختلاف أنماطهم بشكل قد يصل إلى حد التناقض، سواء كان المدير غريب الأطوار، أو انطوائياً، أو سريع الغضب، أو واقعيا سواء ذلك الذي حظي بتجربته من بيئة دولية أو محلية. إلا إن الأمر يتفاوت في المدة الزمنية التي تستلزم كل مدير للنجاح والتفوق.
ويوجد تصوّر معروف يتمثل في وجوب مطابقة المدير المرشح شروط الشركة مع طبيعته الشخصية. ولكن ما زالت محاولة تحقيق هذا التصوّر فاشلة. وبالكاد يمكن إيجاد مديرين ناجحين، وقادرين على تمثيل الخصائص الجادة في إطار تلك الشروط.
ولكن هل تبقى عملية اختيار الأشخاص للمناصب الإدارية أمرا مرتبطا بالمصادفة والحظ فقط؟ بالقطع لا فقد أثبتت التجربة أن المدير المسؤول يجب أن يملك ثلاث خصائص أساسية: فعليه أن يملك الحدس بالقدرات الإدارية المناسبة، وعليه أن يملك الخبرة المتلائمة مع هذا النوع من الإدارة بالذات، وأن يشير إلى استعداده لمواجهة الأزمات والمخاطر. فلا يمكن لأي نظام كمبيوتر في العالم أن يحل محل الحدس والخبرة والاستعداد لمواجهة الأزمات. تلك هي المواصفات الصحيحة التي يمكن من خلالها لصاحب أو مدير شركة ما أن يطوّرها ويحولها إلى شركة رائدة في السوق. ولكن في النهاية لا بد من القول إن كل هذا يبقى في إطار نظرية "التجربة والخطأ".