الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

عادة يذهب النقاش حول الذكاء الاصطناعي إلى سؤال من سيخسر وظيفته. لكن هناك سؤال آخر لا يأخذ حقه، ماذا عن فرصة البداية؟ بعض الأعمال التي تبدو بسيطة ومتكررة لم تكن هامشية كما يظن البعض. كانت تعتبر في السابق مدرسة يتعلم منها الموظف فهم المؤسسة من الداخل، وقراءة التفاصيل، واكتشاف الأخطاء، وبناء خبرته مع الوقت.

المشكلة أن سرعة الآلة قد تختصر طريق التعلم نفسه. فالخبرة لا تأتي دائما من الدورات أو الكتب. كثير منها يأتي من الملفات الصغيرة، والمراجعات اليومية، والأخطاء التي يكتشفها الموظف بنفسه. من هذه التفاصيل يتعلم كيف تعمل المؤسسة من الداخل.

في وول ستريت، تبدو الصورة مختلفة. خاطب David Solomon، الرئيس التنفيذي لبنك Goldman Sachs، المتدربين الجدد بنبرة متفائلة عن الفرص القادمة. كان يتحدث عن موجة ابتكار جديدة، وعن صفقات كبرى من نوع SpaceX، وعن نشاط الاندماجات والاستحواذات، وحضور الذكاء الاصطناعي في المال والأعمال. بالنسبة لهؤلاء المتدربين، تبدو البداية مختلفة عن وظائف البداية التقليدية.

لكن هذه ليست الصورة الكاملة. هناك وظائف لا تظهر في العناوين. موظفو العمليات، والدعم، والامتثال، وخدمة العملاء، ومعالجة البيانات، والخدمات الداخلية. هذه الوظائف كانت جزءاً مهماً من العمل اليومي داخل المؤسسات. لم تكن لامعة، لكنها كانت ضرورية. وكثير من الموظفين لم يصلوا إلى مواقع أعلى إلا لأنهم بدأوا منها.

وهذه ليست مسألة بعيدة عن المنطقة. كثير من البنوك، وشركات التأمين، وشركات الاتصالات، والجهات الكبرى، بنت أجيالاً من الموظفين عبر إدارات العمليات والدعم والامتثال وخدمة العملاء. هذه الإدارات لم تكن دائماً المكان الأكثر جاذبية، لكنها كانت بوابة الدخول إلى فهم المؤسسة من الداخل. ومع توسع أدوات الأتمتة والذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال عن المسارات المهنية التي قد تختفي معها، لا عن عدد الوظائف فقط.

تقرير حديث صادر عن S&P Global يعطي هذه الفكرة بعداً أوضح. الأثر الصافي للذكاء الاصطناعي على التوظيف خلال آخر 12 شهراً تحول إلى أثر سلبي محدود عالمياً، بعدما كان في السابق محايداً أو إيجابياً قليلاً. والأهم أن التراجع ظهر في وظائف مثل الإدارة والدعم المكتبي وخدمة العملاء وبعض الأعمال التشغيلية. هذه ليست وظائف هامشية كما تبدو، بل هي غالباً الطبقة التي يبدأ منها الموظف علاقته الحقيقية بالمؤسسة.

لكن التقرير نفسه يشير إلى نقطة مهمة. أغلب تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تزال مساندة وليست مستقلة بالكامل. وهذا يعني أن المسألة ليست نهاية العمل، بل تغير قيمته داخل المؤسسة. العمل الذي كان يمنح الموظف فرصة التعلم قد يصبح أقل طلباً، بينما ترتفع قيمة من يستطيع إدارة الأدوات، وفهم مخرجاتها، ومراجعة قراراتها.

وتظهر المشكلة بشكل أوضح عندما يكون الموظف جزءاً من عملية الأتمتة. بعض العاملين أصبحوا يدرّبون أدوات الذكاء الاصطناعي على أداء أجزاء من وظائفهم، ثم يتحول دورهم لاحقاً إلى مراجعة مخرجات الآلة وتصحيح أخطائها. هنا لا تختفي الوظيفة دفعة واحدة، لكنها تتغير تدريجياً من ممارسة العمل إلى مراقبة نظام يحاول أداءه.

الشركات قد ترى في ذلك مكسباً واضحاً. تكلفة أقل، سرعة أعلى، أخطاء أقل، وقدرة على تشغيل أكبر بعدد أقل من الموظفين. لكن هذا المكسب قد يترك فجوة لاحقاً. فمن أين يأتي الموظف الخبير إذا لم يعد هناك مسار يتعلم فيه؟ وكيف تتكون الخبرة إذا اختفت المهام التي كانت تدرب الموظف على التفاصيل؟

لذلك لا يكفي أن تنظر الشركات إلى ما ستوفره التقنية من وقت وتكلفة. هناك سؤال أبعد، من أين سيأتي الموظف الخبير إذا اختفت أعمال البدايات؟ فالخبرة لا تظهر فجأة في المناصب العليا، بل تبدأ غالباً من أعمال صغيرة لا ينتبه لها أحد. وإذا اختفى هذا الطريق، فقد نكسب سرعة أكبر اليوم، لكننا قد نخسر عمقاً مهنياً نحتاجه غدا.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية