بينما تتسبب حرب إيران في فوضى في أسواق الطاقة العالمية، حقّق ملياردير كوري غامض قفزةً كبيرةً في الأرباح.
على مدار أشهر، كان جا هيون تشانغ يشتري كميات هائلة من ناقلات النفط، في رهان على نطاق غير مسبوق هزّ سوق الشحن العالمية حتى قبل اندلاع الصراع. والآن يجني عوائد ضخمة بعد أن دفع إغلاق مضيق هرمز أجور السفن إلى مستويات غير مسبوقة.
في الأسابيع التي سبقت الحرب، حركت مجموعة "سينوكور" (Sinokor) التابعة لتشانغ على الأقل ست ناقلات عملاقة فارغة إلى الخليج العربي، حيث بقيت في انتظار الحمولات. والآن، مع توقف الصادرات عبر المضيق وامتلاء المخازن الإقليمية بسرعة، تؤجر "سينوكور" السفن بأسعار مذهلة تبلغ 500 ألف دولار يومياً لتخزين النفط، بحسب وسطاء، وهو ما يقارب عشرة أضعاف مستوى العام الماضي.
تشانغ يحتل مكانة بارزة
حتى في صناعة معروفة بالمُغامرين، يحتل تشانغ مكانةً بارزةً. تحركُه لشراء حصة كبيرة من أسطول الناقلات العالمي في الأشهر الأخيرة صدم المستثمرين المخضرمين في سوق الشحن. والآن، رجل الأعمال الكوري الذي يُفضل الخصوصية، وهو وريث لعائلة تعمل في قطاع الشحن معروف بنهجه العسكري وحبه لتحدي الموظفين وشركائه في الأعمال في مصارعة الذراعين، مرشح لأن يصبح أحد الفائزين الكبار نتيجة الاضطراب في تجارة النفط الناتج عن حرب إيران.
وقال هالفور إلفسين، المدير بشركة "فارنليز شيب بروكرز" (Fearnleys Shipbrokers) في لندن: "لقد كان لهم تأثير كبير. سيطروا على جزء كبير من الأسطول، ورفعوا مستوى المنافسة، وتمكنوا أحياناً من فرض أسعارهم في نهاية الأمر".
منذ بدء الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، شهدت سوق ناقلات النفط نقصاً متزايداً حيث تضطر السفن إلى تغيير مساراتها ولا يزال جزء من الأسطول محاصراً داخل مضيق هرمز. وتستغرق تدفقات الشحن المضطربة وقتاً لتعود إلى طبيعتها حتى بعد توقف القتال، ما سيُبقي الأسعار مرتفعة لفترة أطول ويحقق أرباحاً كبيرة لمالكي السفن مثل "سينوكور".
هذا التقرير حول الرهان الضخم الذي اتخذته "سينوكور" يستند إلى مقابلات مع أكثر من اثني عشر شخصاً مطلعاً في الصناعة، من بينهم وسطاء شحن وشركات منافسة وموظفون سابقون، طلب معظمهم عدم نشر هوياتهم عند مناقشة تعاملات غير معلنة. ولم ترد "سينوكور" على طلبات للتعليق.
سوق ناقلات النفط ترس حيوي للاقتصاد
الاضطراب الناجم عن حرب إيران يلفت انتباه العالم بشكل متزايد إلى سوق الناقلات، وهي صناعة يديرها بعض أكثر الشخصيات حيوية وجنوحاً إلى السرية في عالم النفط.
هذا النشاط، الذي يُعتبر ترساً حيوياً في ماكينة الاقتصاد العالمي، صنع ثروات لأولئك المستعدين لخوض أكبر المخاطر، سواء بتسيير السفن إلى مناطق الحرب ومنها، أو بالاستمرار في نقل النفط الروسي بعد غزو موسكو لأوكرانيا.
تأسست "سينوكور" عام 1989 كشركة لشحن الحاويات في الأصل، وأطلقت أول خدمة خط حاويات بين كوريا والصين في نفس العام، وفقاً لموقعها الإلكتروني. ويرأس مجلس إدارتها تاي-سوون تشانغ، والد جا-هيون، وهو يُعتبر شخصية عامة نسبياً في كوريا الجنوبية وقد شغل منصب رئيس جمعية ملاك السفن الوطنية.
الابن الغامض
على العكس من ذلك، لا يظهر جا-هيون تشانغ كثيراً خارج الصناعة، وحتى بعض العاملين في عالم الشحن يصفونه بأنه شخص غامض يحاول عدم لفت الأنظار قدر الإمكان.
يقول من تعاملوا مع "سينوكور" إن تشانغ الابن يتخذ القرارات الرئيسية بنفسه، ويتفاوض شخصياً على أهم العقود. يُنشئ مجموعات على تطبيق "واتساب" للتواصل، تضم غالباً أعداداً كبيرة من الأشخاص، سواء لإصدار التعليمات لفريقه أو لإجراء الأعمال مع أطراف خارجية. وكثيراً ما يتصل هاتفياً بمالكي السفن المنافسين لمناقشة أوضاع السوق.
وتشانغ معروف بحبه للجودو، ويصفه موظف سابق بأنه يكرس وقته لعمله ولياقته البدنية؛ والمقولة السائدة في القطاع هي أنه نادراً ما يُهزَم في مصارعة الذراع.
رهانات جريئة
حتى وقت قريب، كانت "سينوكور" مجرد لاعب صغير في عالم ناقلات النفط العملاقة، وقال شخص عمل مع تشانغ في سنواته الأولى إن موقفه من المخاطرة كان متحفظاً في الغالب.
لكن رهاناته كبرت في السنوات الأخيرة. في عام 2024، قفزت أجور ناقلات النفط بعدما نفذت الشركة سلسلة من الحجوزات تركت المنافسين في حيرة من أمرهم. لكن هذا التحرك لم يدم طويلاً، ومضت الأمور.
اقرأ أيضاً: قفزة في أجرة ناقلات النفط مع تصاعد التوتر حول إيران وشح المعروض
حملة الشراء الأحدث كانت سريعة وقوية. في غضون أسابيع، تحركت الشركة لشراء أو استئجار عدد هائل من ناقلات النفط العملاقة، ما منحها مستوى من التأثير على السوق يقول قدامى العاملين في السوق إنه غير مسبوق.
تسمّر عالم الشحن مشدوهاً. ارتفعت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة في أي مكان في العالم إلى مستويات قياسية مع إقبال أصحاب الشحنات على الحجز بسبب الهلع، بينما انتشرت شائعات حول حجم وهدف الرهان- خاصة بعد أن أفادت بلومبرغ وغيرها بأنه يتم تمويله، أو جزء منه على الأقل، من كيانات مرتبطة بملياردير الشحن الإيطالي جيانلويجي أبونتي.
جاء الرهان في وقت تضرر فيه عدد متزايد من الناقلات حول العالم بسبب العقوبات أو جرى تحويلها إلى مخازن عائمة، ما ترك عدداً أقل بشكل متزايد من السفن المتاحة للإيجار في ظل تصاعد حجم النفط المشحون حول العالم.
واصلت الشركة شراء الناقلات، وبحلول أواخر فبراير، قدّر بعض المنافسين أن "سينوكور" تسيطر على حوالي 150 ناقلة نفط عملاقة، وهو رقم يعادل حوالي 40% من السفن في ذلك الوقت التي لم تكن خاضعة للعقوبات أو مؤجرة بالفعل.
ارتفعت تكلفة استئجار ناقلة نفط كبيرة جداً لمدة عام إلى أكثر من 100 ألف دولار يومياً في المتوسط، وهو رقم قياسي في البيانات منذ عام 1988.
تحريك الناقلات بالخليج العربي.. خطوة استراتيجية
بعد استحواذ "سينوكور" على الناقلات، تم نقل عدد ضئيل منها إلى الخليج العربي. السفينة "سنغابور لويالتي" (Singapore Loyalty) التي تديرها "سينوكور" عبرت مضيق هرمز في 29 يناير، حيث انتظرت فارغة بالخليج. خلال الأسابيع الأربعة التالية، تبعتها خمس سفن أخرى على الأقل لتشكل سرباً قرب دبي. (لم يتضح ما إذا كانت "سينوكور" قد حركت السفن إلى الخليج توقعاً لعمل عسكري أميركي، أم أنه كان مجرد توجيه للسفن إلى منطقة إنتاج النفط الرئيسية بحثاً عن حمولات).
بحلول 2 مارس، بعد أن أدى الصراع لتجميد الملاحة في هرمز وأوقف إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط إلى بقية العالم، ارتفعت أجور ناقلات النفط بشكل أكبر. وأفاد بعض وسطاء الشحن أن "سينوكور" تطلب ما يعادل حوالي 20 دولاراً للبرميل لنقل النفط من المنطقة إلى الصين على ناقلاتها الكبيرة جداً، وهو رقم مذهل مُقارنةً مع متوسط حوالي 2.5 دولار في العام الماضي.
الناقلات الفارغة قليلة
داخل الخليج، كانت سفن "سينوكور" الآن من بين ناقلات النفط القليلة الفارغة المتاحة للإيجار أمام شركات النفط التي تسعى جاهدة للحصول على مساحة تخزين إضافية.
بعد أسبوعين، كان كثير من السفن قد حمّلت النفط فيما يبدو. وبما أن مضيق هرمز لا يزال شبه مغلق أمام الحركة، يجري عرض السفن للإيجار كمخازن عائمة، ما يُشير إلى أنها ستستمر في تحقيق 500 ألف دولار يومياً لـ"سينوكور" ما دامت الحرب قائمة.
عندما نفذت الشركة حملة الاستحواذ في يناير، اشترت مجموعة سفن من مالك آخر بمتوسط سعر 88 مليون دولار، وفق بيانات أحد الوسطاء. إحدى هذه السفن تُحمّل شحنات في الخليج، وستسترد تكلفتها في أقل من ستة أشهر عند سعر 500 ألف دولار يومياً إذا استمرت تلك الأسعار.
هل ينجح رهان تشانغ على المدى الطويل؟
ما يزال لا يوجد ما يضمن أن رهان تشانغ سيكون ناجحاً على المدى الطويل. بينما قلب الصراع أسواق ناقلات النفط رأساً على عقب، فإنه يخلق أيضاً ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر اضطراب في الإمدادات على الإطلاق، وهو تأثير سيعني مع مرور الوقت تراجع كميات النفط في محيطات العالم.
في الوقت الحالي، تجني "سينوكور" أرباحاً ضخمة داخل الخليج وخارجه. أحد الحجوزات الأخيرة كان بسعر 181 ألف دولار يومياً من البرازيل، وفق بيانات "تانكرز إنترناشيونال" (Tankers International)، وهو ما يُقارب ثلاثة أضعاف متوسط الأرباح اليومية للناقلات الكبيرة جداً العام الماضي.
وقال كارل لاري، محلل النفط في "إنفيروس" (Enverus)، إن "المكانة الجيدة هي مزيج بين القليل من الاستراتيجية والقليل من الحظ"، مضيفاً أن رهان "سينوكور" الكبير على الناقلات "مفيدٌ بشكل غير عادي".





