تزيدت أعداد شركات الأسواق الناشئة المقترضة من الخارج بكلفة أقل من تلك التي تتحملها دولها الأم، في إشارة إلى أن المخاطر السيادية باتت تشكل عبئا أقل على الشركات الأقوى، لا سيما تلك التي تركز على التصدير.
دراسة أجرتها "بلومبرغ" لإصدارات السندات الجديدة حتى 4 فبراير، أظهرت أن شركات من دول نامية اقترضت هذا العام في أسواق السندات المقومة بالدولار بمتوسط عائد بلغ 5.8%، مقارنة بعائد يناهز 6% تطلبه الأسواق من الديون السيادية ذات الآجال المماثلة.
في حالة شركة الأعمال الزراعية الأوكرانية "إم إتش بي"، كان المستثمرون مستعدين لقبول عوائد تقل بعدة نقاط مئوية عن عائد السندات السيادية.
يقارن ذلك بالفترة نفسها من 2024 و 2025، حين دفعت الشركات في المتوسط عوائد تفوق 7% لبيع ديونها، أي أعلى بكثير من عوائد السندات الحكومية الجديدة، وفقا للبيانات.
الشركات قد تكون أكثر أمانا من الدول
يحظى الاعتقاد بأن الشركات قد تعد أكثر أمانا من دولها الأم بقبول متزايد في أمريكا وأوروبا، حيث غالبا ما تتمتع تكتلات مثل "مايكروسوفت" و"إيرباص" بتصنيفات ائتمانية أعلى وكلفة اقتراض أقل من حكوماتها المثقلة بالديون، إلا أن المستثمرين في العالم النامي كانوا أبطأ في الفصل بين مخاطر الشركات والمخاطر السيادية.
مدير المحافظ في "جيه ستيرن آند كو" تشارلز جيلينيه قال "إن شركات الأسواق الناشئة لطالما كانت "مذنبة بالتبعية"، مضيفا "عندما تتعمق في التفاصيل، تجد أنها في كثير من الأحيان شركات عالمية ذات مصادر إيرادات متنوعة، لكنها تُعاقب عمليا بسبب موقعها الجغرافي".
تغير النظرة إلى بعض الشركات
قد يكون هذا الوضع في طور التغير بالنسبة لبعض الشركات، ويُعد جيلينيه من بين المستثمرين الذين اشتروا السند الأخير لـ "إم إتش بي"، التي تصدر الحبوب والزيوت ومنتجات الدواجن، وتعمل في أوكرانيا التي أنهكتها الحرب.
الشركة دفعت عائدا بنسبة 10.5% لسندات تستحق في 2029، أي أقل بنحو 650 نقطة أساس من عائد السند الحكومي الأوكراني لأجل 4 سنوات، وبلغت طلبات الاكتتاب في الإصدار أكثر من 2.25 مليار دولار.
على عكس حكومة أوكرانيا التي تخلفت عن السداد في 2022، "بقيت إم إتش بي ملتزمة بسنداتها، ورغم كل ما حدث، واصلت دفع العائدات"، بحسب جيلينيه، مفسرا قراره شراء السند بعائد أقل بكثير من العائد السيادي.
نظرة تكتسب زخما
يجادل مستثمرون مثله بأن العديد من شركات الأسواق الناشئة بارعة في التعامل مع الأزمات، مثل التخلف السيادي عن السداد وانهيارات العملات. فالمصدرون يستفيدون فعليا عندما تضعف العملات المحلية بفضل قاعدة تكاليفهم الداخلية، وعلى خلاف الحكومات تستطيع الشركات تقليص الإنفاق الرأسمالي والنفقات الأخرى بسرعة خلال الفترات الصعبة.
مدير المحافظ في "أكيلا لإدارة الأصول" مانويل مونديا أشار إلى الأرجنتين وما شهدته من حالات تخلف متعددة عن السداد وتغييرات حكومية قائلا "يمكن للشركات أن تبقى حتى عندما تسقط الحكومات، إذا اشتريت الدين السيادي في الأرجنتين، فقد يدمرك الخطر السياسي، لكن شركاتها ستستمر في الوجود، والناس مستعدون لدفع علاوة مقابل ذلك".
حصدت شركة "تيليكوم أرجنتينا" تلك العلاوة في 14 يناير، عندما جمعت 600 مليون دولار عبر سندات لأجل 10 سنوات بعائد 8.625%، في حين كانت السندات السيادية ذات الآجال المماثلة تحقق عائدا يقارب 9%. وقد صمدت الشركة خلال تخلف الحكومة عن السداد في 2020.
سقوف المخاطر
حتى الآن في 2026، تفوق أداء ديون الشركات في الأسواق الناشئة، مع تراجع فروق العوائد إلى ما دون 200 نقطة أساس، وهو مستوى قريب من الأدنى منذ أزمة 2008.
حقق هذا القطاع في المتوسط عائدا قدره 0.8%، مقارنة بـ0.5% للديون السيادية، وفقاً لمؤشرات "بلومبرغ"، ويعكس ذلك صورة العام الماضي، حين كانت العوائد دون مستوى السندات الحكومية.
يتوقع بعض المستثمرين استمرار هذا الصعود، خصوصا إذا أغرى جدول انتخابي مزدحم في أميركا اللاتينية وآسيا الحكومات بزيادة الإنفاق، ما يفاقم أوضاع المالية العامة، ورغم أن نسب الدين إلى الناتج في العالم النامي لا تزال أدنى بكثير منها في دول مجموعة العشر، فإن التراجع المالي يظل مصدر خطر.
مدير المحافظ في "بنك يوليوس باير" أرنو بويه قال "تظل دول الأسواق الناشئة في حالة توازن دين مرتفع، مع نسب دين أعلى مقارنة بما كانت عليه قبل كورونا، ومن غير المرجح أن تنخفض بشكل ملموس في المدى القريب".
مستوى "صحي" من الديون
في المقابل يبلغ متوسط أحد مقاييس الرافعة المالية الرئيسية للشركات، نسبة صافي الدين إلى الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك، نحو 2.3 مرة لدى الشركات المدرجة على مؤشر "إم إس سي آي" للأسهم في الأسواق الناشئة، وهو مستوى وصفه بويه بأنه "صحي". وأضاف أن هذه النسبة تنخفض إلى نصف ذلك لدى الشركات ذات التصنيف الاستثماري.
مع ذلك تبقى التغييرات التنظيمية المفاجئة واضطرابات الأعمال أكثر شيوعا، كقاعدة عامة، في الدول الأفقر، وهذا يعني أن ما يعرف بـ"السقف السيادي"، الذي يحدّ من التصنيفات الائتمانية للشركات وتكاليف اقتراضها دون مستوى الحكومة، سيظل عائقاً قوياً.
يعد مدير المحافظ الأول في "فانجارد لإدارة رأس المال" ماورو فافيني، من بين من يرون أن هذا السقف سيبقى قائماً، لا سيما بالنسبة للشركات التي تركز على السوق المحلية.
يقر بأن الأسماء الكبرى ذات التدفقات النقدية بالعملات الصعبة يمكن أن تتداول أحيانا بعوائد أدنى من منحنى العائد السيادي، لكنه يعتبر أن "الإصدارات داخل المنحنى تمثل فرصا خاصة بكل حالة، وليست نظاماً جديداً لفئة الأصول".
وقال "في فترات العزوف عن المخاطر، يعاود الدين السيادي عادة تأكيد نفسه بوصفه السقف الفعلي".





