يبدو أن موجة قياسية من صفقات الائتمان الخاص في الأسواق الناشئة مرشحة للاستمرار هذا العام، وسط سعي عدد متزايد من المستثمرين المؤسسيين والصناديق السيادية إلى تنويع محافظهم المتركزة بشكل كبير في أمريكا.
تخطط صناديق مثل "جيمكورب كابيتال" و"ناينتي ون" لجمع مليارات الدولارات لإطلاق استراتيجيات جديدة في مجال الائتمان الخاص خلال 2026، في وقت تشير فيه إلى تزايد اهتمام صناديق التقاعد وشركات التأمين والصناديق السيادية بهذه الاستثمارات.
يأتي ذلك عقب سلسلة صفقات مماثلة العام الماضي نفذها صندوق الاستثمارات العامة، وصندوق مبادلة، في الغالب بالشراكة مع شركات عالمية مثل "أبولو غلوبال"، حيث يقدر مسؤولون في القطاع أن 2025 يُعد بسهولة الأكبر على الإطلاق من حيث حجم هذه الصفقات.
قطاع غير مستغل
لا يزال القطاع غير مستغل بالشكل الكافي، إذ لم تمثل الأسواق الناشئة سوى 4% من إجمالي جمع التمويل العالمي في الائتمان الخاص منذ 2008، في حين استحوذت الصفقات الأمريكية المدعومة بالملكية الخاصة على النصيب الأكبر من هذا القطاع البالغة قيمته 1.7 تريليون دولار.
في المقابل تتزايد المخاطر في أمريكا، بدءا من المنافسة الشرسة، والمخاوف من تدهور الشروط، وصولا إلى ضعف الدولار والتهديدات المتعلقة باستقلالية الفيدرالي.
الشريك المؤسس ورئيس هيكلة الصفقات في "جيمكورب" فيليبي برلينر قال "نشهد بشكل عام زيادة في الاهتمام الدولي، ونعتقد أن الصناديق السيادية في أفريقيا والشرق الأوسط تمثل أهدافا رئيسية"، مضيفا "يمكننا تحقيق عوائد مجزية مقابل مؤشرات ائتمانية أفضل في الأسواق الناشئة".
بالنسبة للأسواق الناشئة، من شأن هذا التوجه أن يوفر وصولا أكبر إلى رأس المال العالمي، وإن كانت تكلفته قد تكون أعلى مقارنة بالأسواق العامة.
أما بالنسبة للمستثمرين، فقد بات تركز رهاناتهم في أمريكا محل تساؤل عقب عدد من حالات الإفلاس البارزة، إذ حذر الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورغان" جيمي ديمون، من وجود حالات تعثر لم تتكشف بعد.
تشبع في الأسواق المتقدمة
مع بلوغ الأسواق في أمريكا وأوروبا درجة من التشبع، يتدفق المزيد من رأس المال إلى آسيا، وهي وجهة تتلاءم تنظيميا مع شركات التأمين وصناديق التقاعد، بحسب فيليبي برلينر من "جيمكورب".
برلينر أضاف أن أفريقيا بدورها تستقطب اهتماما متزايدا في مجال تمويل البنية التحتية، حيث الطلب قوي مقابل محدودية الأموال المتاحة حاليا.
تسعى "جيمكورب"، التي أعلنت الشهر الماضي عن صفقة مع السيادي الأنجولي، إلى ضخ ما لا يقل عن مليار دولار في أفريقيا خلال 2026.
الرئيسة التنفيذية لرابطة الملكية الخاصة ورأس المال الجريء الأفريقية آبي مادواكور قالت "كل دولار يُستثمر في أفريقيا يترك أثرا هائلا، وربما يكون أثر الدولار هنا أكبر من تأثيره في أسواق أخرى".
قطاع في مراحله الأولى
في أمريكا اللاتينية، لا يزال الائتمان الخاص في مراحله الأولى، فقد بلغ إجمالي جمع التمويلات حتى الربع الثالث من 2025 نحو 1.3 مليار دولار فقط، بانخفاض من 3.6 مليار دولار في 2024، وفقا لـ"لافسا" وهي مجموعة تجارية لرأس المال الخاص في القارة.
رغم ذلك فالأرقام في المنطقة تشهد ارتفاعا مقارنة بما كانت عليه قبل نحو عقد من الزمن، في استطلاع أجرته "بريكين" لشركاء محدودين في أمريكا اللاتينية نشر في أغسطس، أفاد 58% منهم بأنهم يرون الائتمان الخاص كفئة أصول تُقدم أفضل الفرص خلال الـ 12 شهرا القادمة.
ترى "مبادلة كابيتال" الذراع الاستثماري لصندوق الثروة السيادي لأبوظبي، فرصا واعدة في أمريكا اللاتينية، فقد حصلت على التزامات بقيمة 240 مليون دولار لأحدث صناديقها في البرازيل، وفقا لبيان تنظيمي صدر في يونيو، وذلك بعد إغلاق صندوق بقيمة 710 ملايين دولار في 2023 يركز على الحالات الخاصة في البلاد.
كذلك ركز السيادي البنمي على الاستثمارات البديلة كجزء أساسي من استراتيجيته، وفي بيان صدر في مارس للكشف عن نتائجه السنوية الأخيرة، أدرج الصندوق التوسع في الاستثمار البديل، بما في ذلك الديون الخاصة، كأولوية "لتعزيز التنويع والحماية من التضخم".
مخاطر الاندفاع الجماعي
بطبيعة الحال لا تزال الأسواق الناشئة أكثر خطورة من الأسواق المتقدمة، نظرا لاختلاف الأطر القانونية. وقد يتعرض المستثمرون للخسائر إذا لم يتم إجراء الدراسة اللازمة قبل الاستثمار.
رئيس قسم الشركات في مكتب المحاماة "هيريك فاينشتاين" الذي قدم استشارات لأكثر من 40 عاما موريس ديفيو "هناك قدر كبير من الحماسة والديناميكية في السوق، ما يجعل الجميع يخشون تفويت الفرصة، يميل الناس إلى الاندفاع الجماعي نحو السوق بسرعة كبيرة، وفي الأسواق الناشئة يكون ذلك خطيرا للغاية".
ديفيو أوضح أن إحدى المشكلات تكمن في أن الحدود بين القطاعين العام والخاص تكون أحيانا غير واضحة في الدول الناشئة، ففي كثير من الحالات، قد يسيطر مسؤولون حكوميون على شركة ما، مع تمتعهم بدرجة من الحصانة، ما يجعل تنفيذ الأحكام القضائية ضدهم أمرا صعبا.
بدء النقاشات
رغم ذلك لا يوقف هذا الواقع تدفق الأموال. فعلى سبيل المثال، تسعى "ناينتي ون" لإطلاق صندوق جديد في وقت لاحق من هذا العام، مستهدفة جمع مليار دولار من المستثمرين المؤسساتيين.
الرئيسة التنفيذية للشؤون التجارية في الشركة التي تُدير أصولا بنحو 215 مليار دولار نازميرا مولا قالت "هناك رغبة متزايدة في إضافة قدر من التنويع إلى المحافظ الاستثمارية، ولو بشكل محدود"، مضيفة "أن أحد التحديات التي تواجه الصناديق السيادية يتمثل في توقعات تحقيق عوائد مرتفعة تصل حتى 19%"
مولا تابعت "من المفارقات أنه حتى الصناديق السيادية القادمة من الأسواق الناشئة، كان تفضيلها ينصب على الاستثمار في الائتمان الخاص داخل أمريكا"، مضيفة "قبل عام لم يكونوا مهتمين حتى بالحديث عن الائتمان الخاص في الأسواق الناشئة، لكن بدأنا أواخر العام الماضي نشهد انطلاق هذه النقاشات".





