في ظل سيطرة الصين على 70% من قطاع تعدين العناصر الأرضية النادرة، و90% من عمليات معالجة هذه العناصر، رأت المملكة المتحدة في هذا الوضع تهديدا مباشرا لأمنها الاقتصادي والتكنولوجي، وهو ما دفعها إلى وضع إستراتيجية جديدة للتعامل مع المعادن الحرجة تحت عنوان "رؤية 2035"، التي كشفت عنها الحكومة البريطانية أخيرا.
تعد بريطانيا هذه الرؤية أحد الأعمدة الرئيسية في إستراتيجيتها الصناعية للعقد المقبل، وسط توقعات من خبراء تحدثوا لـ"الاقتصادية" بأن تعزز الإستراتيجية الجديدة عقد شراكات دولية، أبرزها مع السعودية.
هذه الرؤية تأتي في وقت تتصاعد فيه الضغوط على سلاسل توريد المعادن الحيوية في قطاعات إستراتيجية باتت تعتمد على موارد معدنية تهيمن الصين عليها.
فبينما يشير الإعلان الرسمي الصادر عن الحكومة البريطانية إلى أن الطلب المحلي على عديد من المعادن الحيوية سيرتفع إلى مستويات غير مسبوقة بحلول 2035، ليتضاعف على النحاس ويزيد بأكثر من 1100% على الليثيوم، تظهر البيانات الحكومية أن هناك زيادات كبيرة في الطلب على الجرافيت الطبيعي والصناعي والنيكل والعناصر الأرضية النادرة.

ما مستهدفات المملكة المتحدة في مجال المعادن؟
يرى الدكتور سنكلير تمبلتن، أستاذ الاقتصاد الصناعي، أن الإستراتيجية البريطانية في مجال المعادن جاءت متأخرة، لكن "أن تأتي متأخرة أفضل من ألا تأتي"، بحسب وصفه.
وقال لـ"الاقتصادية": "وفقا لرؤيتها الجديدة، تستهدف بريطانيا إنتاج 10% من احتياجاتها الأجمالية من المعادن الحرجة محليا. كما تراهن على رفع مساهمة إعادة التدوير إلى 20% من إجمالي الطلب".
رغم أن المملكة المتحدة لا تمتلك موارد معدنية ضخمة مقارنة بالدول الكبرى، فغنها تتمتع بمناطق جيولوجية واعدة، وتمتلك خبرة طويلة في مجال تدوير معادن حيوية مثل البلاديوم والبلاتين، عبر منشآت تعد من الأكبر عالميا، بحسب تمبلتن.
تراهن الإستراتيجية البريطانية الجديدة كذلك على قوة لندن المالية في مجال تمويل التعدين، إذ تشكل بورصة لندن للمعادن وأسواق الاستثمار المتخصصة منذ عقود مركزا عالميا لتمويل مشاريع الاستخراج والمعالجة، وصولا إلى قدرتها على توفير ما يلزم من خدمات قانونية وتقنية ومالية.
تستفيد بريطانيا من شبكة قوية من الأكاديميين ومراكز الأبحاث المتخصصة في المعادن والهندسة الجيولوجية، وهو ما يمنح "رؤية 2035" قاعدة علمية وتكنولوجية ضخمة يمكن البناء عليها.

هل هذه المستهدفات قابلة للتحقيق؟
رغم الطموحات الكبيرة التي تعرضها لندن، إلا أن تساؤلات جوهرية تطرح حول قدرة هذه الإستراتيجية على تحقيق أهدافها خلال الإطار الزمني المعلن.
فالصناعات المعدنية البريطانية ما زالت تواجه تحديات ارتفاع تكاليف التشغيل، في وقت تعاني البنية التحتية للطاقة قصورا واضحا يمنعها من استيعاب توسع سريع في التعدين والمعالجة.
تدفع هذه التحديات بعض الخبراء إلى البحث عن مسارات جديدة تمنح المملكة المتحدة هامشا أوسع للتحرك في سوق عالمية باتت المعادن فيه بمثابة "النفط الجديد" للصناعات المتقدمة.
البروفسور جونز كولبي، أستاذ الاقتصاد البريطاني، يرى أن الإستراتيجية الجديدة لا ينبغي أن تركز فقط على الإنتاج المحلي، بل يجب أن تمنح أولوية أكبر لتعزيز الشراكات الدولية.
ويؤكد أن دور السعودية يبرز هنا بصفتها "القوة الجيولوجية المالية ".
لماذا الشراكة مع السعودية؟
تتمتع السعودية بالقدرة على الجمع بين الموارد المعدنية الهائلة والإمكانيات الاستثمارية المرتفعة، عبر كيانات مثل صندوق الاستثمارات العامة، وفقا لما قاله كولبي لـ "الاقتصادية".
يشير أستاذ الاقتصاد إلى أن هذه القدرة لا تتوفر لدى معظم الدول الأخرى، ما يجعل السعودية لاعبا محوريا في صناعة التعدين العالمية. ويرجع الفضل في ذلك إلى إستراتيجية التعدين الوطنية وبرامج تطوير سلاسل التوريد الصناعية.
ويقول: "السعودية تمثل شريكا إستراتيجيا مثاليا لبريطانيا، بفضل قدرتها على توفير مواد خام مستقرة وذات أهمية عالية للصناعات البريطانية المستقبلية".
تبحث بريطانيا بجدية إمكانية بناء تعاون واسع مع السعودية يشمل مشاريع مشتركة في التنقيب والمعالجة وتطوير تقنيات إعادة التدوير، وسط توقعات بأن تفتح لندن الباب أمام استثمارات سعودية جديدة في مناطق التعدين البريطانية الناشئة.
السعودية تمنح بريطانيا القدرة لتأمين سلاسل التوريد
يشير خبراء إلى أن هذه الشراكات يمكن أن تتحول إلى أحد أعمدة رؤية لندن لتأمين سلاسل توريد المعادن خلال العقد المقبل.
ويليام ديفيس، المحلل المالي في بورصة لندن للمعادن، يرى من جانبه أن التعاون البريطاني - السعودي قد يسفر عن إنشاء منصات تمويل مشتركة لتمويل مشروعات تعدين في دول ثالثة، بما يضمن بناء محور دولي مؤثر في هذا القطاع الحيوي.
ويقول لـ"الاقتصادية": "موقع السعودية المتقدم في سوق المعادن، خصوصا في الشرق الأوسط، إلى جانب القوة المالية لمدينة لندن، يمنحان بريطانيا قدرة أكبر على مواجهة المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الصين. كذلك، فإن هكذا تعاون يمنح الرياض قناة مباشرة للوصول إلى التكنولوجيا البريطانية المتقدمة في مجالات الاستخراج والمعالجة والتحليل الجيولوجي".

