في الوقت الذي كان يستعد فيه قبطان هولندي لعبور مضيق أوريسند ومن ثم ينقل البضائع التي يحملها إلى أسواق غرب أوروبا فوجئ بقذيفة تحذيرية سقطت بالقرب من مقدمة سفينته، وبينما اعتقد إنها محاولة للقرصنة تلقى رسالة تطالبه بدفع رسوم للمرور عبر المضيق ليدرك وقتها أن الملك الدنماركي "إيرك بوميرانيا" قد قرر في تلك الليلة من شتاء 1429 ميلادي تغيير قواعد اللعبة إذ لم تكن الرسوم مجرد "جباية محلية" بل عود ثقاب أشعل صراعات استمرت 100 عام حول هذا الممر الذي يشكل الحدود المائية الفاصلة بين الدنمارك والسويد وظل لوقت طويل بوابة التجارة الوحيدة بين بحر البلطيق والمحيط الأطلسي، كذلك طرح الصراع سؤال واجهه العالم لقرون وهو "هل حرية الملاحة حق للجميع أم امتياز لمن يملك المدفع الأقوى"؟.
يتكرر السؤال اليوم فوق مياه الخليج العربي لكن تلك المرة إجابته كانت حاضرة عند وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان الذي أكد خلال وجوده في إسبانيا أخيرا أن أمن الملاحة في الممرات المائية والدولية هو الأساس لأي استقرار عالمي، كما شدد على أمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ 28 فبراير الماضي معتبرًا أن ضمان حرية المرور عبر المضيق يضمن استقرار الاقتصاد العالمي وهو ما تسعى إليه السعودية بمختلف السبل الدبلوماسية لإيجاد حل سياسي للأزمة الحالية.

منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب وغلق "هرمز" تحركت المملكة لتقليل فاتورة الخسائر عبر تفعيل إستراتيجية "التكامل اللوجستي" التي من خلالها أعفت السفن من الرسوم والجمارك وأطلقت مبادرات التهدئة ورفعت إنتاجها من النفط لتقليل الفجوة بين العرض والطلب، وعلى الناحية الأخرى كان الدور الأهم الجولات الدبلوماسية والدعوات لضمان حرية الملاحة في "هرمز" خاصة بعد تفاقم الخسائر التي وصلت حتى مايو الجاري إلى 14 مليار دولار يوميًا، كما قفزت أسعار الغاز بنسبة 74% وكذلك النفط بنسبة 25% وعالميا وبعد ارتفاع تكلفة النقل البحري 50% زادت أسعار السلع الأساسي مثل القمح والأسمدة والمواد الكيماوية.
صراع حول مضيق هرمز
تاريخيا نظر العالم إلى أمن الملاحة كبركان جاهز لتفجير الاقتصاد العالمي في أي لحظة، وقد حدث ذلك في الحربين العالميتين حيث تسببت معارك تأمين خطوط الملاحة في المحيط الأطلسي وحده في غرق أكثر من 3500 سفينة تجارية ومقتل ما يزيد على 72 ألف بحار ومسافر مدني، أما الحركة التجارية فأصيبت بالشلل شبه الكامل وتكلفت الدول ما يعادل اليوم تريليوني دولار لاستعادة اقتصادها فقط بحسب تقرير الـ"واشنطن بوست"، كما أدت الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات وما صاحبها من صراع حول مضيق هرمز إلى استهداف نحو 546 سفينة تجارية ومقتل 400 من البحارة المدنيين أما الأسعار فقفزت في أول عامين من الحرب بنسبة 500%.
لتفادي ذلك تحرك المجتمع الدولي مبكرا وتحديدا في 1857 حين وقعت 16 دولة بحرية معاهدة "كوبنهاجن" الشهيرة والتي تعد "وثيقة تأسيسية" لتقنين أمن الملاحة إذ أرست مبدأ أن الممرات المائية التي تربط بين البحار المفتوحة لا يجوز لدولة واحدة احتكارها أو إغلاقها في وجه حركة التجارة البشرية، ومع زيادة أهمية النقل البحري لم يتوقف القانون الدولي عند حدود "كوبنهاغن" بل صاغ في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 نظامًا صارمًا حسم به النزاعات البحرية وجاء على رأسه مبدأ "العبور البريء"، هذا المبدأ منح السفن من كافة الجنسيات حق المرور عبر المياه الإقليمية للدول الساحلية دون إذن مسبق شريطة أن يكون العبور سريعًا ومتواصلًا وألا يشكل أي تهديد لسلامة وأمن الدول المشاطئة.

حقوق استثنائية بالمرور والتحليق
لأن المضايق التاريخية هي جبهات الصراع الأكثر خطورة فقد اختصها قانون البحار لعام 1982 بتفصيلة قانونية إضافية وحاسمة استحدثت نظامًا يعرف بقاعدة "مرور الترانزيت" التي تحرم على أي دولة تعليق المرور أو إغلاق مضيقها تحت أي ظرف من الظروف طالما كان العبور سريعًا وسلميًا، بل إنه يمنح السفن الحربية والغواصات والطائرات العسكرية حقوقًا استثنائية بالمرور والتحليق دون اشتراط إذن مسبق، وتلك القاعدة هي التي تسري على مضيق هرمز الآن.
منذ أيام تداول مستخدمي منصة إكس مقطع فيديو للأمير فيصل بن فرحان، كشف فيه عن نهج الدبلوماسية السعودية الذي وضعه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهو نهج التنمية المستدامة وتحسين حياة الشعوب وتخفيف وطأة الحروب والكوارث وتقليل فاتورة الخسائر عبر التنسيق مع القوى الكبرى ومحاولات التهدئة ومبادرات السلام، وهذا بالضبط ما تم ترجمته في سعي المملكة الدؤوب لحل الأزمة الحالية فبينما تحاول أطراف الصراع التملص من أي مسئولية والتذرع بالحقوق الأمنية تخوض السعودية معركة ليس فقط لتأمين الملاحة في هرمز بل لحماية "الدستور المائي" للعالم من الانهيار والعودة إلى زمن فوضى المدافع.





