جلس محسن جلال في مقعد الحافلة الكهربائية الوثيرة، ينظر من النافذة بهدوء وهو ينتقل من حي العمرة إلى الشوقية، تذكّر وهو طفل في السبعينيات الميلادية من القرن المنصرم يركب «الأنيسة» تلك الحافلة القديمة، التي كانت تئن وتتمايل وهي تصعد جبل الكعبة محملة بالركاب إلى حيث كانت مدرسته في مطلع حي جياد جنوب شرق المسجد الحرام.
اليوم، يبدو كل شيء مختلفاً تماماً، في أقل من نصف قرن، تحولت مكة المكرمة من مدينة ذات شوارع جبلية ضيقة تعج بالحافلات الديزل المتهالكة إلى حاضرة عصرية تتدفق فيها أساطيل من الحافلات الصامتة والكهربائية.

الأنيسة
في أيام الحج، حيث يتوافد ملايين المسلمين منذ القدم إلى قبلة الدنيا، تروي منظومة النقل قصة تطور إنساني مذهل، من ناقة النبي عليه الصلاة والسلام "القصواء" التي حملته في الهجرة وحجة الوداع، إلى قطارات حديثة وعربات جولف كهربائية وكراسٍ متحركة ذكية، تبدو رحلة النقل في الحج كأنها تلخص تاريخ البشرية في وسائل التنقل.
يعود الاهتمام المنهجي بوسائل النقل إلى تأسيس المملكة العربية السعودية في 1932، وبعدها بأربعة أعوام وفي عام 1936 دخلت أولى حافلات النقل العام إلى مكة، كانت الشركة العربية أول من أدخل هذه الخدمة، لتنقل الحجاج بين المشاعر المقدسة ومكة.
في كتابه "مكة في القرن الرابع عشر" يورد المؤرخ السعودي محمد عمر رفيع ـ 1898 ـ 1979م، معلومات مختصرة حول وسائل النقل في المدينة التي يحج إليها المسلمون من كافة الأرجاء، ووفق ما أورد رفيع في كتابه الذي صدر 1980م، وحققته الباحثة السعودية د. تركية حمد الجار الله، فقد كانت وسائل النقل في مكة والمشاعر تعتمد على الحمير والبغال والخيل والجمال، وفي الوسيلة الأخيرة اشتهرت "الشقادف" وهو مركب خشبي يوضع على ظهور الجمال ويستخدم في التنقل ما بين مكة والمشاعر، وأيضاً في السفر إلى جدة والمدينة المنورة قبل وبعد انتهاء الموسم.
بعد ضم الحجاز عام 1924 على يد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، بدأت طفرة حقيقية. عُبّدت الطرق، ودخلت السيارات، وبقيت الوسائل التقليدية لكن بشكل أقل. وفي عام 1952 أمر الملك عبد العزيز رحمه الله، بتأسيس النقابة العامة للسيارات لتنظيم نقل الحجاج، وبدأت بألف حافلة تقريباً. اليوم، أصبحت هذه النقابة (تحت إشراف الهيئة الملكية لمكة والمشاعر) الجهة الرسمية التي تشرف على عشرات الشركات المتخصصة.
يروي الباحث والموثق المكي محمد كامل الحكيم ذكرياته عن تلك الحقبة، موضحاً أنه أبصر النور على سيارات «الإبلاكاش» الأمريكية، وهي سيارات نصف نقل من طراز فورد أنتجت عام 1965، وقد أُطلق عليها هذا الاسم نسبة إلى نوع من الخشب الخفيف الذي كان يسوَّر به الصندوق الخلفي ليجلس فيه الحجاج والمسافرون، ويضيف الحكيم، مستذكراً عمل والده في شركات النقل: "كانت تشتهر الشاحنات (اللواري)، وسيارات النصف نقل "(لوانيتات)، إضافة إلى حافلات الشركات المختلفة مثل عبدالعزيز كعكي، والشركة العربية، والتوفيق، والمغربي، وغيرها".

555
ويورد الحكيم، أسماء شعبية طريفة كان أهل مكة، وخاصة السائقون، يطلقونها على الحافلات والسيارات: "الإنترناش" أو "عنترناش" و"أبو خداش"، لسيارات الإنترناشيونال، و"أبو عيون جريئة"، و"الزيتوني" للشفروليه، كما كانت هناك حافلات تعرف بـ"المنقا" نسبة إلى لونها الأصفر المائل. ويشير إلى أن السيارات الصغيرة التي تسع 4 أو 7 ركاب كانت تستخدم على نطاق واسع لنقل الحجاج داخل وخارج العاصمة المقدسة.
أما اليوم، فالقصة مختلفة تماماً. أصبحت منظومة النقل متكاملة وذكية، قطار المشاعر المقدسة ينقل عشرات الآلاف من الحجاج في الساعة الواحدة بين منى وعرفات ومزدلفة بدقة متناهية، والحافلات الكهربائية الترددية تسير في مسارات مخصصة تقلل الزحام، وعربات الجولف الكهربائية وكراسي التنقل الذكية تنقل كبار السن والمرضى وذوي الإعاقة داخل الحرم وفي المخيمات، و"السكوتر" والدراجات الكهربائية والمركبات الذكية للطوارئ تكمل المنظومة.
ولم يقتصر التطور على المركبات فقط، بل شمل البنية التحتية للطرق والجسور، طرق مظللة واسعة، وأنظمة توجيه إلكترونية تدعم عدة لغات، هذا التطور ليس مجرد تقنية، بل فلسفة عميقة تجمع بين قدسية المكان وخدمة الإنسان. الهدف أن يؤدي الحاج مناسكه بيسر وأمان وطمأنينة، في واحدة من أكبر عمليات إدارة الحشود في العالم.
في نهاية المطاف، كلما ركب محسن جلال حافلته الكهربائية الصامتة، يدرك أنه يعيش لحظة تاريخية، يلتقي فيها الماضي بكل ما فيه من ذكريات "الإبلاكاش" و"الأنيسة" بالمستقبل الواعد، وتتحول المشقة القديمة إلى راحة عصرية في خدمة ضيوف الرحمن.






