قبل أكثر من شهرين ، حدد كيفين وارش، المرشح من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) خلفا لرئيس المجلس الحالي جيروم بأول، 4 أسس لما يجب أن يقوم به البنك.
وارش، الذي استهلّ مقال رأي كتبه لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في ذلك الحين بكيل المديح لترمب وإدارته، قبل أن يوجه سهام انتقاده إلى المجلس، بدا ناظرا إلى ما هو أبعد من خفض الفائدة الذي يرنو إليه الرئيس الأمريكي، وعلى نحو ربّما يكسر قواعد لازمت المجلس لعقود طويلة ويحدث "تغييرا في نظام المجلس".
قبل ترشيحه للمنصب من قبل الرئيس ترمب، الذي يحظى بدعم قوي من حمِيه الملياردير رونالد لودر، أحد المانحين الرئيسيين للرئيس الأمريكي، كان وارش من أكثر المتشددين تجاه خفض الفائدة.
لكن الفترة التي سبقت ترشيحه شهدت تحولا في توجهات الرجل، إذ بدا أكثر انحيازا إلى وجهة نظر ترمب بشأن الحفاظ على فائدة منخفضة.
التخلي عن مخاوف الركود التضخمي
أول ما طالب به وارش البنك المركزي كان ضروري التخلي عن الخوف من الركود التضخمي خلال العامين المقبلين، ما يعني خفض الفائدة بغض النظر عن مستويات التضخم.
تعد المحافظة على التضخم عند مستهدفات محددة سلفا من المهام الأساسية للبنوك المركزية في أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي يراقب بنكها المركزي كذلك سوق العمل والتوظيف، وتتحدد سياسته النقدية في ضوء هذين العاملين الرئيسين.
لكن وارش يرى النمو دون المستوى، والتضخم الذي يزيد بنسبة 40% على الهدف، "أفضل ما يمكن تحقيقه".
يعتقد وارش أيضا أن الذكاء الاصطناعي سيكون قوة كبيرة في مكافحة التضخم، حيث ستزيد الإنتاجية وتعزّز القدرة التنافسية الأمريكية.
يقول رئيس الفيدرالي المقبل: "إن من شأن تحسين الإنتاجية أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في الأجور الحقيقية الصافية. ومن شأن زيادة نمو الإنتاجية السنوية بنسبة 1% أن تضاعف مستويات المعيشة في غضون جيل واحد".

خفض الميزانية العمومية للفيدرالي
يتهم وارش مجلس الاحتياطي الفيدرالي بأنه تبنى سجلا من الخيارات غير الحكيمة فيما يتعلق بالتضخم، ويرى أن على البنك المركزي إعادة النظر في هذه الخيارات، التي يعتبر أنها أدت إلى "التضخم الكبير".
في هذا السبيل، يعتقد وارش أن من الضروري خفض الميزانية العمومية للفيدرالي، البالغة حاليا نحو 5.69 تريليون دولار.
كانت هذه الميزانية العمومية قد سجلت أعلى مستوياتها في يونيو 2022، عند قرابة 8.9 تريليون دولار، مقارنة بنحو 800 مليار دولار قبل ما يقرب من عقدين، وذلك نتيجة برامج واسعة لشراء الأصول والتيسير الكمي في مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008 وجائحة "كوفيد" في عام 2020 وما بعده.
يقول وارش: "يجب عليه التخلي عن العقيدة القائلة بأن التضخم يحدث عندما ينمو الاقتصاد بشكل مفرط ويحصل العمال على أجور مفرطة، بل يحدث عندما تنفق الحكومة أكثر من اللازم وتطبع أموالا أكثر من اللازم".
يرى أن "الميزانية العمومية المتضخمة" للفدرالي صُمّمت لدعم الشركات الكبرى في أزمة سابقة، فيما يمكن "إعادة توزيع هذه السخاء" في شكل أسعار فائدة أقل لدعم الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة.

إطار تنظيمي جديد
ينادي وارش بإطار تنظيمي جديد لعمل مجلس الفيدرالي الأمريكي، الذي يرى أن لوائحه أدت إلى تضرر البنوك الصغيرة والمتوسطة وتقلص تدفقات الائتمان في الاقتصاد الحقيقي.
يشير وارش في هذا المأخذ على الفيدرالي إلى ما عرف بفترة "الاندفاع على السحب" في أواخر عام 2022 وأوائل عام 2023، حيث واجهت بنوك عمليات سحب ضخمة وسريعة.
يرى النقاد أن الفيدرالي فشل في تحديد أن هذه البنوك كانت عرضة لارتفاع أسعار الفائدة ولديها الكثير من الودائع غير المؤمنة، نظرا لتبني معايير واحدة لجميع البنوك لا تراعي البنوك الصغيرة والمتوسطة.
ويرى أن على الفيدرالي دعم إطار تنظيمي جديد تعمل عليه ميشيل باومان، نائبة رئيس الفيدرالي الجديدة، التي تولت المنصب في يونيو الماضي.
هذا الإطار التنظيمي من شأنه أن يفصل القواعد الحاكمة لعمل البنوك الصغيرة والمتوسطة عن تلك التي تحكم مؤسسات التمويل الكبرى.
"نهاية لعبة بازل"
بينما يصف وارش معايير بازل بأنها "مجموعة معقدة ومتباهية من القواعد" التي تفاوض عليها الفيدرالي لأكثر من 10 سنوات مع البنوك المركزية العالمية، فإنه ينتقد المركزي الأمريكي لإلزامه البنوك الأمريكية بهذه اقواعد التنظيمية "باسم التقارب التنظيمي العالمي".
تهدف معايير بازل إلى ضمان أن تمتلك المؤسسات المالية رأس مال كافٍ لتغطية المخاطر.
كانت رئيسة الفيدرالي السابقة جانيت يلين من أقوى المؤيدين للتعاون التنظيمي الدولي من خلال لجنة بازل للرقابة المصرفية، حيث دعمت تنفيذ معايير "بازل 3" لتعزيز متطلبات رأس المال للبنوك الكبيرة والمترابطة من أجل تعزيز الاستقرار المالي.
أما باول، فيشرف على مراجعة مهمة لقواعد رأس المال المصرفي "بازل 3 "، من المرجح أن تؤدي إلى تغييرات جوهرية، تخرج بنسخة أكثر مرونة تتجنب فرض قيود مفرطة على الإقراض.
لكن وارش يرى أن " نهاية لعبة بازل ليست نهاية لعبة أمريكا" ويعتبر أن النظام التنظيمي الأمريكي الجديد يجب أن يجعل الولايات المتحدة "أفضل مكان للبنوك العالمية لممارسة أعمالها ومن شأن ذلك أن يحفز الإقراض الجديد هنا في الداخل".
تحمل انتقادات وارش هذه في طياتها نية إلى تقليص دور الفيدرالي، إذ يرى أن أن مجلس الاحتياطي "مؤسسة امتد نطاقها إلى ما هو أبعد من متناولها"، في إشارة إلى انخراطه في التفاوض على معايير بازل خلال ولايتي يلين وباول.

