الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 20 مايو 2026 | 3 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

بين الإنقاذ وخطأ التضخم .. إرث باول باق في الفيدرالي الأمريكي

منار الهليل
ترجمة:
منار الهليل
الأحد 10 مايو 2026 15:40 |3 دقائق قراءة
بين الإنقاذ وخطأ التضخم .. إرث باول باق في الفيدرالي الأمريكي

"لن أراكم في المرة القادمة".. بهذه الكلمات، اختتم جيروم باول مؤتمره الصحفي الأخير على الأرجح كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، بعد ترؤسه اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية أواخر الشهر الماضي.

بعد أن شغل منصب رئيس الفيدرالي لأكثر من 8 سنوات بقليل، ستنتهي ولاية باول في 15 مايو الجاري.

رغم أن عامه الأخير في منصبه اتسم بالاضطرابات، بدءًا من خلافه العلني مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ووصولًا إلى تحقيق وزارة العدل في مزاعم تجاوزات في تكاليف البناء، الذي تم إسقاطه، إلا أن باول سيترك وراءه إرثًا بارزًا.

يتضمن سجل باول إنجازات كبيرة، لكنه لا يخلو من نقاط الضعف، بحسب هونغ تران، الباحث الأول في "أتلانتك كاونسل"، والمسؤول السابق في صندوق النقد الدولي ومعهد التمويل الدولي.

سجل باول، وخبرته في التعامل مع التضخم، وتعزيز التوظيف الكامل، ودعم الاستقرار المالي، والدفاع عن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يمكن أن يعطيا دروسًا قيّمة لخلفائه.

من الأزمة إلى التعافي

خلال جائحة كوفيد-19، تحرّك الاحتياطي الفيدرالي بقيادة باول بسرعة عبر حزمة إجراءات واسعة لتحقيق استقرار الأسعار وتعزيز التوظيف الكامل ضمن مهمته المزدوجة، بالتنسيق مع وزارة الخزانة، التي أطلقت حزمة تحفيز قياسية بلغت 25% من الناتج المحلي الإجمالي.

ورفع الفيدرالي ميزانيته العمومية من نحو 4 تريليونات دولار عام 2019 إلى 9 تريليونات في أوائل 2022، مع خفض أسعار الفائدة إلى قرب الصفر.

هذه السياسات ساهمت في جعل ركود كوفيد-19 الأقصر في التاريخ، إذ استمر لشهرين فقط، وساعدت الولايات المتحدة على التعافي أسرع من باقي دول مجموعة العشر.

البطالة ارتفعت من 3.7% عام 2019 إلى 8% خلال 2020.

في عام 2022، تراجعت البطالة إلى 3.6%، واستقرت لاحقًا بين 3.5-4.3%.

خطأ مكلف في تقدير التضخم

بعد نجاح مرحلة التعافي، ارتكب الاحتياطي الفيدرالي بقيادة باول خطأً في تقدير التضخم، إذ أبقى السياسة النقدية التيسيرية لفترة أطول من اللازم، واعتبر ارتفاع التضخم في 2021 "مؤقتًا"، ما سمح بارتفاعه إلى 9.1% في يونيو 2022.

نتيجة لذلك، اضطر الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة بقوة من قرب الصفر إلى 4.25–4.5% بنهاية 2022، إضافة إلى تطبيق التشديد الكمي لتقليص ميزانيته الضخمة.

يرتبط هذا الخطأ بإطلاق إطار السياسة النقدية الجديد في 2020 المعروف باسم استهداف متوسط التضخم المرن (FAIT)، والذي سمح بتسامح مؤقت مع التضخم فوق هدف 2% بعد فترات من انخفاضه، مع اعتماد أكبر على الأداء السابق للتضخم.

لكن هذا الإطار لم يكن مناسبا لمواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية الناتجة عن جائحة كوفيد-19، والتي رفعت تكاليف الإنتاج بشكل كبير.

في النهاية، اضطر الفيدرالي إلى التخلي عن هذا الإطار والعودة إلى سياسة استهداف التضخم التقليدية، بعد أن كان الضرر قد وقع بالفعل.

صدمة بنك وادي السيليكون

مع أن تداعيات الجائحة ومخاوف التضخم هيمنت على اهتمام الاحتياطي الفيدرالي، إلا أنها لم تكن المصادر الوحيدة للضغط على باول.

ففي عام 2023، شكّل انهيار بنك وادي السيليكون ضغطا إضافيا على الفيدرالي، ما دفعه إلى إطلاق أداة طارئة لتوفير السيولة تُعرف بـ"برنامج تمويل البنوك لأجل قصير" لمنع تحول أزمة إقليمية إلى أزمة مالية شاملة.

أظهر تقييم الفيدرالي لاحقا أن إدارة البنك فشلت في إدارة المخاطر. كما أن الجهات الرقابية لم تدرك بشكل كاف حجم المخاطر المتزايدة مع توسع البنك. وعند رصد مخاطر أسعار الفائدة والسيولة، لم يتم التحرك بسرعة كافية لمعالجتها.

كشفت الأزمة أن الاستقرار المالي لا يعتمد فقط على القوانين، بل أيضًا على جودة الرقابة وتدخل القيادات العليا لضمان فعالية الإشراف المصرفي.

السلطة والضغط والمبدأ

إلى جانب إدارة الأزمات الوطنية والعالمية، تميزت فترة باول بدفاعه الحازم عن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في وجه تجاوزات السلطة التنفيذية.

رفْض باول الحملة التي شنها ترمب للضغط من أجل خفض أسعار الفائدة لم يقتصر على كسب تأييد شعبي واسع النطاق فحسب، بل وضع كذلك معيارا عاليا لخلفه في إدارة التوتر الدائم بين مطالب الرئيس والولاية المزدوجة للفيدرالي.

في حين إن المراقبين المقرّبين للاحتياطي الفيدرالي لن ينسوا الارتفاع التاريخي في التضخم، أو الأخطاء السياسية التي سبقته، أو الضغوط التي ظهرت في الإشراف المصرفي خلال فترة ولايته، فإن رفض باول التنازل عن استقلالية البنك المركزي قد يبرز في نهاية المطاف في الذاكرة العامة.

لكن على الرغم من وداع باول خلال المؤتمر الصحفي يوم الأربعاء، قد لا يكون الفصل الأخير من مسيرته في الخدمة العامة قد كُتب بالكامل بعد.

فبقراره البقاء محافظًا في مجلس الاحتياطي الفيدرالي حتى نهاية ولايته في يناير 2028، قد يظل للرجل البالغ من العمر 73 عامًا دورٌ مؤثر في صياغة النقاش حول السياسة النقدية وعملية صنع القرار في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، استنادًا إلى البيانات الاقتصادية والمالية، لا إلى الضغوط السياسية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية