بينما كانت طبول الحرب العراقية - الإيرانية تقرع بعنف في مياه الخليج العربي في الثمانينات مهددة بإغلاق مضيق هرمز وخنق إمدادات الطاقة العالمية، كانت السعودية تخوض معركة صامتة من نوع آخر فوق الرمال بعد أن قررت تجاوز الجغرافيا عبر إنشاء خط أنابيب "شرق – غرب" لنقل الذهب الأسود من الصحراء إلى ميناء ينبع مباشرة دون الحاجة إلى استخدام "هرمز" ما اعتبر وقتها مناورة استراتيجية كبرى أبرزت قوة الحسم السعودي وجسدت مقولة المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي "التحديات الكبرى هي التي تستدعي أعظم الاستجابات".
ما نفذته السعودية قبل 45 عاما لم يكن مجرد حل مؤقت للطوارئ، بل كان بمثابة شمس ممتلئة بالطاقة تشع نورها حول العالم فيما ثبتت جدواها مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، إذ أدى ذلك إلى شلل في أسواق الطاقة كما هدد بإظلام مناطق واسعة من العالم وتجويع الملايين من البشر خاصة أن المضيق يمر عبره 20% من إمدادات الطاقة العالمية ويعتمد عليه 100 مليون إنسان في وارادت الغذاء، لكن حال دون تنفيذ هذه السيناريوهات الكارثية خط "شرق – غرب" الذي رفع طاقته الاستيعابية ليصل إلى ضخ 7 مليون برميل يوميًا وفقًا لـ"بلومبيرغ" ويتم تصديرهم عبر ميناء ينبع الذي أضحى شريان حياة للاقتصاد العالمي، بينما اعتبر خط "شرق – غرب" مظلة أمان أنقذت العالم من أزمات غير مسبوقة ولذلك أشاد به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلًا "لولاه لكانت الأمور اسوأ".
بدأت السعودية في إنشاء خط "شرق – غرب" عام 1980 وسرعان ما كشفت الخطوات الأولى للتنفيذ أن المملكة لم تخطط فقط لمد أنابيب تعبر الصحراء بل تؤسس منظومة متكاملة تعيد السيطرة على مفاتيح تصدير النفط في الخليج العربي، فالخط الذي يمتد لـ1200 كم وينطلق من حقول بقيق بالمنطقة الشرقية ليعبر كثبان الدهناء المترامية ويخترق صخور جبال الحجاز صمم لنقل ما يصل إلى 1.8 مليون برميل نفط يوميًا عبر أنابيب عملاقة بلغت 48 بوصة و11 محطة ضخ تعمل كقلب نابض على طول الطريق بالإضافة إلى خزانات تخزين وبنية تحتية قوية قادرة على تحمل الضغط الجديد .
على الناحية الأخرى لم يكن بدء تشغيل المسار الجديد الذي عرف لاحقًا بـ"بترولاين" سوى ميلاد لمدينة ينبع التي ظلت لعقود طويلة ميناء هادئ على ساحل البحر الأحمر ومركز للصيادين والتجار، فإذا بها تستيقظ فجأة على واقع جديد تحولت على إثره من نقطة استقبال محدودة إلى مركز لوجستي وصناعي متكامل ومدعوم بموانئ حديثة ومرافق تخزين وتصدير قادرة على التعامل مع ملايين البراميل يوميًا بعيدًا مضيق هرمز ليظهر للعالم شريان جديد للنفط الخليجي.
زيادة التوترات الإقليمية في منتصف الثمانينيات واضطراب أسواق النفط عوامل أدت إلى زيادة الاعتماد على "بترولاين" واعتباره خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، وهو ما واكبته السعودية بخطة تحديث طموحة شملت إنشاء خط مواز للخط الأصلي في 1987 ما رفع الطاقة الاسيتعابية من 1.8 مليون إلى 3.2 مليون برميل يوميًا، ومع حلول التسعينات استمر التطوير والتحديث التقني لتصل القدرة الإجمالية إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا ويصبح خط "شرق – غرب" أضخم شبكة أنابيب متكاملة في المنطقة، بينما شهدت ينبع تحديث لموانئها ومنشآتها الصناعية ما جعلها بوابة رئيسية لتدفق النفط السعودي إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر كما أضحت رئة استراتيجية للسفن العابرة في مياه الخليج.
أما إيران فقد نظرت إلى خط "بترولاين" باعتباره تهديد مباشر لنفوذها وكسر لهيمنتها على مضيق هرمز الذي ظل لعقود إحدى أهم أوراق الضغط التي تملكها، ولذلك لم تتوقف التصريحات العدائية ضد المشروع السعودي منذ اللحظة الأولى فاعتبره "الخميني" تحدِ مباشر لطهران، واستهدفت المسيرات والصواريخ الإيرانية محطات ضخ قرب عفيف والدوادمي في مايو 2019 كما تكرر ذلك مع أحداث الحرب الجارية في محاولة لإيقافه أو تعطيله، لكن الواقع أثبت أن كل محاولة فاشلة زادت من إصرار السعودية على تحصين خط "شرق – غرب" وتوسعته لدرجة إنه تحول من مشروع استراتيجي إلى قلعة حصينة تحمي تدفقات الطاقة العالمية من الابتزاز السياسي كما وصفته صحيفة "واشنطن بوست".
عالميًا ألهمت التجربة السعودية دول أخرى سارت على النهج ذاته، ففي نهاية التسعينات اتفقت أذربيجان وجورجيا وتركيا على إنشاء خط أنابيب "باكو – تبليسي- جيهان" كحل جذري للتحرر من قيود الجغرافيا السياسية التي وضعت ثرواتهم تحت رحمة النفوذ الإيراني والروسي، وفي 2006 بدأ تشغيل هذا الخط الذي امتد لأكثر من 1700 كم ناقلا نفط بحر قزوين من باكو وصولا إلى ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط بطاقة تقارب مليون برميل يوميًا، ومن خلاله أعيد تشكيل خريطة تصدير نفط منطقة أوراسيا كما قدم برهان جديد على نجاح "النموذج السعودي" في تطويع الأرض لخدمة السيادة.
أدرك العالم مؤخرا الحكمة السعودية قبل 45 عامًا بينما اليوم تتجه الرياض بخطوات متسارعة نحو المستقبل مرة أخرى عبر تحركات مكثفة خلال الفترة الأخيرة، فقد أعلنت الهيئة العامة للموانئ عن بناء جسر تجاري يربط بين الدمام والشارقة لتسريع حركة الشحن، إلى جانب تعزيز الربط مع البحرين عبر خدمة "غولف شوتل" كما أطلقت الخطوط الحديدية السعودية ممرًا لوجستيًا يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة لتعزيز التكامل مع الأردن وغيرها، تلك الخطوات ليست حلول مؤقتة لمواجهة أزمة بل تأسيس مفهوم جديد للسيادة اللوجستية وسلاسل الإمداد يحمل عنوان "من يتحكم في الطرق… يتحكم في التدفقات".




