منحت الحرب السيارات الصينية الكهربائية فرصة العمر، مع بدء شركات السيارات الأمريكية التراجع عن خططها الطموحة في المجال، وارتفاع أسعار الوقود، ما قد يفتح نافذة استراتيجية أمامها لاقتناص حصة أكبر من السوق العالمية، بحسب مجلة "فورتشن".
في ديسمبر الماضي، أعلنت شركة فورد الأمريكية عن أكبر خسائرها في التاريخ في قطاع السيارات الكهربائية، بنحو 19.5 مليار دولار، بعد أن قررت الشركة إلغاء مشروع النسخة الكهربائية بالكامل من شاحنة F-150 الشهيرة، واستبداله بطراز هجين طويل المدى.
فيما كشفت جنرال موترز عن تكاليف مرتبطة بمشروعات السيارات الكهربائية بلغت نحو 7.6 مليار دولار، كما تخلت عن خطط لإنتاج سيارات كهربائية في مصنع بولاية ميشيغان، ليعاد توجيه المصنع لإنتاج سيارات الدفع الرباعي والشاحنات التقليدية العاملة بالوقود.
في ديسمبر، ذكر الرئيس التنفيذي لشركة فورد جيم فارلي لوكالة رويترز، بشأن تراجع إنتاج السيارات الكهربائية: "لا يُمكننا تخصيص أموال لأشياء لن تُدرّ ربحًا. رغم من إعجابي الشديد بهذه المنتجات، إلا أن العملاء في الولايات المتحدة لم يكونوا ليدفعوا ثمنها. وهكذا انتهى الأمر."
بدت حسابات شركات صناعة السيارات الأمريكية في البداية منطقية، فقد تراجعت مبيعات السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة 36% على أساس سنوي خلال الربع الرابع، بعد قرار ترامب إلغاء الإعفاء الضريبي الخاص بشراء السيارات الكهربائية، وفق بيانات شركة كوكس أوتوموتيف.
ومع عودة التضخم إلى الارتفاع وتراجع سوق العمل، أصبح المستهلك الأمريكي أقل استعدادًا لدفع متوسط سعر يبلغ نحو 55 ألف دولار لشراء سيارة كهربائية جديدة.
غير أن الحرب مع إيران، التي اندلعت في فبراير قلبت هذه الحسابات جزئيًا، فقد ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 4.51 دولار للجالون، بزيادة تقارب 50% مقارنة بمستوياته في أواخر فبراير، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية (AAA)، وعلى المستوى العالمي، بلغ متوسط السعر نحو 5.34 دولار للجالون.
هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود قد يعيد الاهتمام بالسيارات الكهربائية، لكنه يأتي في وقت بدأت فيه شركات السيارات الأمريكية التراجع عن استثماراتها في هذا القطاع، وهو ما يمنح الشركات الصينية فرصة نادرة لتعزيز موقعها في السوق العالمية.
ويرى خبراء أن شركات مثل بي واي دي قد تكون من أكبر المستفيدين من هذا التحول.
وقال تو لي، مؤسس ومدير شركة "سينو أوتو إنسايتس"، إن ارتفاع أسعار الوقود يمثل فرصة كبيرة لصانعي السيارات الكهربائية الصينيين.
ويعود تقدم الصين في هذا المجال إلى استراتيجية طويلة الأمد، فبحسب خبراء في قطاع السيارات، بدأت الشركات الصينية منذ أوائل الألفية الاستثمار في تطوير قدراتها الصناعية والتكنولوجية، متبعة ثلاث خطوات رئيسية.
أولى هذه الخطوات، تحسين جودة التصنيع، وثانيًا التركيز على السيارات الكهربائية بدل منافسة الشركات الغربية في محركات الاحتراق التقليدية، وثالثًا تسريع وتيرة تصميم وإنتاج السيارات مقارنة بالمنافسين.
وأثمرت هذه الاستراتيجية نتائج واضحة، ففي 2023، تمكنت الشركات الصينية لأول مرة من تجاوز الشركات الغربية في حجم المبيعات داخل السوق الصينية، بعد سنوات من هيمنة شركات مثل فولكس واجن.
كما أصبحت الصين اليوم أكبر مصدر للسيارات في العالم، مع توسع سريع في أسواق أوروبا وأمريكا اللاتينية.
وتلعب الأسعار دورًا حاسمًا في هذا التوسع، فبينما يبدأ سعر أرخص سيارة لدى فورد، من نحو 28 ألف دولار، تبيع شركة بي واي دي سيارة كهربائية صغيرة مقابل نحو 10 آلاف دولار في السوق الصينية، وإن كانت الأسعار أعلى في الأسواق الخارجية.
ويرجع جزء من هذه القدرة التنافسية إلى الدعم الحكومي الذي حصل عليه القطاع، فقد قدمت الحكومة الصينية ما يقرب 29 مليار دولار من الإعفاءات الضريبية والدعم المباشر لمصنعي السيارات الكهربائية بين عامي 2009 و2022، خاصة في مجال البطاريات التي تمثل الجزء الأكثر تكلفة في السيارة الكهربائية.
ورغم التقدم السريع للشركات الصينية، لا تزال الولايات المتحدة تنظر إلى هذه الصناعة باعتبارها تهديدا استراتيجية، فقد فرضت إدارة الرئيس السابق جو بايدن رسومًا جمركية تصل إلى 100% على السيارات الكهربائية الصينية، وهي الرسوم التي أبقتها الإدارة اللاحقة بقيادة ترمب، ما يمنع فعليًا دخول هذه السيارات إلى السوق الأميركية.
وتشير بعض الدلائل إلى أن ارتفاع أسعار البنزين قد بدأ يُغير آراء المستهلكين بشأن السيارات الكهربائية. فبينما ظلت مبيعات السيارات الكهربائية الجديدة منخفضة في أبريل، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية المستعملة بنسبة 16% على أساس سنوي و3% مقارنة بشهر مارس.
وقد يكون السعر أحد الأسباب، حيث تُباع السيارات الكهربائية المستعملة بسعر أقل بنحو 20 ألف دولار في المتوسط من السيارات الكهربائية الجديدة، وفقًا لبيانات شركة كوكس أوتوموتيف.
في ظل هذه التطورات، يبدو أن سوق السيارات العالمي يقف عند نقطة تحول جديدة، فبينما تعيد شركات مدينة ديترويت المعروفة بـ "عاصمة السيارات" تقييم استراتيجياتها، تستعد الشركات الصينية لاستغلال اللحظة، ما قد يعيد رسم خريطة المنافسة في الصناعة خلال الأعوام المقبلة.




