كلايد راسل
قد يبدو أن مشتري السيارات الكهربائية ومستهلكي مشروب الكولا الدايت في الهند مجموعتان لا يجمعهما كثير، لكنهما معرضان لمخاطر تداعيات الإغلاق المستمر لمضيق هرمز. كلما طالت مدة إغلاق هذا الممر المائي الضيق أمام معظم السفن، ازدادت حدة الآثار المترتبة على الاقتصاد العالمي، الذي يعاني أصلاً، ارتفاعَ أسعار الوقود المكرر كالديزل والبنزين وما يصاحب ذلك من تضخم.
وتُعدُّ السيارات الكهربائية من أبرز المستفيدين من الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن السيارات الكهربائية معرضة لمياه مضيق هرمز، إذ يعتمد تصنيع بطارياتها على حمض الكبريتيك، وهو عنصر أساسي في استخلاص المعادن مثل النيكل والليثيوم.
يُعدُّ حمض الكبريتيك ضروريًا في طريقة الترشيح الحمضي عالي الضغط لاستخلاص النيكل المستخدم في صناعة البطاريات من خاماته في مناجم إندونيسيا، أكبر منتج لهذا المعدن. كما يُستخدم لاستخلاص الليثيوم من الصخور الصلبة في أستراليا، أكبر منتج لهذا المعدن، وهو مهم أيضًا في إنتاج النحاس. قبل الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، كان نحو نصف الكبريت المنقول بحرًا في العالم يمر من مضيق هرمز، متجهًا في معظمه إلى دول آسيوية.
يعدُّ الكبريت منتجًا ثانويًا لإنتاج النفط الخام والغاز، ويُكرّر إلى وقود، ما يجعل دول الشرق الأوسط، كالإمارات والسعودية، من الموردين الرئيسيين للمادة الخام المستخدمة في صناعة حمض الكبريتيك.عادةً ما يُنقل الكبريت في سفن الشحن السائبة، وقد انخفضت كمياته المنقولة من مضيق هرمز بشكل حاد منذ بداية الصراع الإيراني، حيث تُشير بيانات شركة "كيبلر" لتحليل السلع إلى أن 30 ألف طن متري فقط وصلت إلى المضيق في أبريل، و180 ألف طن في مارس. وهذا انخفاضٌ ملحوظٌ عن متوسط 1.27 مليون طن شهريًا خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت بدء الصراع، وفقًا لشركة "كيبلر". وقد أدّى انخفاض شحنات الكبريت من الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعاره بشكلٍ كبير، حيث وصلت أسعار التسليم إلى آسيا إلى 880 دولارًا للطن، بزيادة قدرها 50% منذ بداية الحرب.
يؤدي ارتفاع سعر الكبريت إلى ارتفاع سعر حمض الكبريتيك، ما سيرفع تكاليف تعدين النيكل والنحاس والليثيوم، ولكن ما يثير القلق أكثر هو احتمال محدودية الإمدادات. إذا اضطرت شركات التعدين في إندونيسيا وأستراليا وتشيلي إلى التنافس فيما بينها على الإمدادات، فإن ذلك يزيد من خطر اضطرار بعضها إلى خفض الإنتاج في حال عدم قدرتها على الحصول على كميات كافية من حمض الكبريتيك.
تزايد المخاوف
أعرب عدد من المديرين التنفيذيين لشركات التعدين من إندونيسيا وأستراليا، الذين حضروا مؤتمر المواد الخام للبطاريات الآسيوية الذي عُقد الشهر الماضي في هانوي، عن قلقهم من تزايد صعوبة تأمين إمدادات حمض الكبريتيك على المدى المتوسط. يواجه مصنّعو السيارات الكهربائية وبطاريات التخزين في الصين خطرًا كبيرًا في حال انقطاع إمدادات النيكل المُنتَج باستخدام تقنية HPAL، وكذلك الليثيوم المُستَخرَج من أستراليا.
توجد بعض البدائل لاستخدام حمض الكبريتيك في معالجة المعادن، لكنها غير مناسبة لإنتاج النيكل المستخدم في صناعة البطاريات، كما أنها تتطلب مدخلات طاقة أعلى لإنتاج كميات أقل من النحاس والليثيوم.مع أن معالجة المعادن لم تصل بعد إلى مرحلة الأزمة، إلا أن استمرار إغلاق مضيق هرمز فعلياً يُقربنا من هذه المرحلة. ويثير هذا تساؤلاً حول التكتيكات التي ستتبعها بكين إذا ما أصبح التهديد لصناعات السيارات الكهربائية والبطاريات لديها أكثر من مجرد احتمال بعيد.
والخطوة المنطقية هي تصعيد الضغط على حليفتها إيران وعلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للتوصل إلى اتفاق يُعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية على الأقل. وبينما يتزايد التهديد لإنتاج معادن البطاريات، هناك آثار أخرى خارج نطاق النفط الخام والغاز الطبيعي المسال بدأت تظهر بالفعل. كان نحو 8% من إمدادات الألمنيوم العالمية تمر عبر مضيق هرمز قبل الحرب الإيرانية، وقد توقف هذا الأمر إلى حد كبير.
بحسب بيانات شركة كيبلر، خرجت نحو 20 ألف طن من المعدن الخفيف من مضيق تايوان في أبريل، بانخفاض عن متوسط 1.26 مليون طن في الأشهر الثلاثة التي سبقت بدء الحرب. وقد أدى فقدان هذه الشحنات إلى شحّ إمدادات الألمنيوم في الهند، ما تسبب في نقص مشروب دايت كوك، الذي يُباع حصريًا في علب ألمنيوم. ورغم أن هذا الأمر يُمثل إزعاجًا لمستهلكي دايت كوك، فإنه يُظهر أيضًا أن النقص قد يظهر في أماكن غير متوقعة، وسيؤدي إلى اضطراب سلاسل التوريد، ما يُفضي إلى ارتفاع الأسعار وتغيير سلوك المستهلك.
كاتب مختص في شؤون الطاقة في وكالة رويترز
