يُعدّ سهم "تسلا" من بين الأغلى على مؤشر "إس آند بي 500"، رغم أن ذلك قد يبدو مستغرباً بعد أن عانت الشركة من أحد أسوأ فصولها في مبيعات السيارات الكهربائية منذ سنوات.
غير أن تقييم السهم، الذي يُتداول عند أكثر من 180 ضعف الأرباح المتوقعة، لا يستند إلى أعمال السيارات الكهربائية بقدر ما يعكس رهانات المستثمرين على ما يعتبره الرئيس التنفيذي إيلون ماسك الدعوة الحقيقية للشركة، أي السيارات ذاتية القيادة والروبوتات الشبيهة بالبشر المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
تقول "تسلا" إنها تتحول "من شركة تركز على الأجهزة إلى شركة للذكاء الاصطناعي المادي"، مع خطط لرفع إنفاقها الرأسمالي ثلاثة أضعاف إلى أكثر من 25 مليار دولار هذا العام، لتسريع هذا التحول.
تضخ "تسلا" أيضاً استثمارات ضخمة في مصنع رقائق عملاق يحمل اسم "تيرافاب" (Terafab)، لدعم طموحاتها في الذكاء الاصطناعي. وسيُنفذ المشروع عبر شراكة مع شركة "سبيس إكس" (SpaceX) التابعة لماسك أيضاً، في مؤشر على تزايد التداخل بين الشركات المختلفة التي تشكل امبراطورية أعماله.
لعلّ سرّ جاذبية "تسلا" بالنسبة لكثير من المستثمرين يكمن في إتاحتها السهم الوحيد الذي يمكّنهم من الرهان مباشرة على رؤى إيلون ماسك. لكن ذلك قد يتغير قريباً، مع استعداد "سبيس إكس" لطرح عام أولي ضخم، في وقت تتصاعد التكهنات بشأن احتمال اندماج الشركتين مستقبلاً.
ماذا يجري لمبيعات المركبات الكهربائية من "تسلا"؟
فقدت "تسلا" التي كانت يوماً الزعيم بلا منازع لسوق السيارات الكهربائية، صدارتها لصالح منافستها الصينية "بي واي دي" (BYD) العام الماضي كأكبر بائع للسيارات الكهربائية بالكامل.
وتراجعت التسليمات العالمية للشركة للعام الثاني على التوالي، وسط ضغوط شملت في العام الماضي احتدام المنافسة، وانتهاء الإعفاءات الضريبية على مشتريات السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة، أكبر أسواقها، إضافة إلى ردود الفعل السلبية تجاه مواقف إيلون ماسك السياسية المثيرة للانقسامات.
كما واجهت "تسلا" اضطرابات ناجمة عن إعادة تصميم سيارة "موديل واي" (Model Y)، بعدما أوقفت الإنتاج مؤقتاً في مصانع التجميع لإعادة تجهيز خطوط الإنتاج.
رغم ارتفاع مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 6% على أساس سنوي، فإنها لا تزال تمثل ثاني أسوأ نتائج فصلية للشركة منذ عام 2022.
في المقابل، لاحت بعض مؤشرات التحسن مع انتعاش الطلب في أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط، وأشارت الشركة إلى أن ارتفاع أسعار البنزين نتيجة الحرب في إيران عزز الطلب على سياراتها الكهربائية.
لماذا فقدت "تسلا" بعضاً من زخمها في سوق السيارات الكهربائية؟
تمسك إيلون ماسك باستراتيجية تقوم على طرح عدد محدود من الطرازات ضمن تشكيلة "تسلا". فعلى مدى سنوات، اقتصرت الشركة على خمس سيارات فقط: "موديل إس" (Model S) الذي طُرح عام 2012، و"موديل إكس" (Model X) عام 2015 و"موديل 3" (Model 3) عام 2017 و"موديل واي " (Model Y) عام 2020 و"سايبرترك" (Cybertruck) عام 2023، ولم تكن جميعها متوفرة في الأسواق العالمية.
في المقابل، لدى "بي واي دي" تشكيلة أوسع بكثير ، كما أن معظم سياراتها أرخص من طرازات "تسلا" الأكثر شعبية، ولا سيما "موديل واي" و"موديل 3".
ولطالما اعتُبرت السيارة التي يقلّ سعرها عن 30 ألف دولار ركيزة أساسية لدفع نمو مبيعات "تسلا" ، لكن بعد توجه الشركة نحو "سايبرترك" (Cybertruck) باهظة الثمن، وهي شاحنة بيك أب أخفقت في تحقيق توقعات ماسك من حيث حجم المبيعات، جاءت السيارات "الأقل ثمناً" التي وعد بها على شكل نسخ مبسطة من "موديل 3" "موديل واي"، ولكن بأسعار تبدأ عند قرابة 40 ألف دولار.
تعمل "تسلا" على تطوير سيارة رياضية متعددة الاستخدامات جديدة بالكامل، أصغر حجماً وأقل تكلفة، وفقاً لما ذكرته "رويترز" نقلاً عن أشخاص مطلعين على الأمر.
في غضون ذلك، تواجه تشكيلة الشركة الحالية خطر فقدان جاذبيتها تدريجياً مع تزايد الفجوة بينها وبين التصاميم الأحدث التي يقدمها المنافسون.
ورغم أن "تسلا" لطالما قادت توجهات سوق السيارات الكهربائية، فإن ذلك يخضع لتدقيق تنظيمي متزايد، في ظل تصاعد الشكاوى المرتبطة بمقابض الأبواب الكهربائية التي ساهمت الشركة في نشرها.
هل تواجه قطاعات أخرى من أعمال "تسلا" ضغوطاً؟
تراجعت إيرادات "تسلا" من الاعتمادات التنظيمية التي تبيعها لشركات تصنيع سيارات أخرى لمساعدتها على الامتثال لقواعد الانبعاثات، بعدما ألغى الجمهوريون في الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على شركات السيارات غير الملتزمة بمعايير كفاءة استهلاك الوقود الفيدرالية.
كما تباطأت أعمال الشركة في مجال تخزين الطاقة خلال الربع الأول. وتبيع هذه الوحدة بطاريات عملاقة قادرة على تشغيل المصانع ومراكز البيانات وحتى شبكات الكهرباء، إلى جانب بطاريات أصغر لتزويد المنازل بالطاقة.
اقرأ أيضاً: وسط تباطؤ نمو مبيعاتها.. 2026 عام مفصلي للسيارات الكهربائية
ورغم أن إيرادات تخزين الطاقة واصلت النمو بهدوء لعدة سنوات بينما تعثرت مبيعات السيارات الكهربائية، أشارت "تسلا" إلى أن أعمال البطاريات "تتسم بطبيعة متقلبة"، مع توقعات بارتفاع إجمالي أعمال التركيب خلال العام الجاري.
ما مستقبل سيارات الأجرة ذاتية القيادة والروبوتات لدى "تسلا"؟
رغم أن إيلون ماسك يطرح مشاريع "تسلا" المستقبلية بوصفها ابتكارات قادرة على إحداث تحول عالمي، فإن السيارات ذاتية القيادة وروبوتات "أوبتيموس" (Optimus) الشبيهة بالبشر لا تزال تفصلها سنوات، وربما عقود، عن الانتشار التجاري الواسع.
وكان إيلون ماسك قد رجح في عام 2024 أن يعمل أكثر من ألف روبوت ثنائي الأرجل داخل مصانع "تسلا" خلال العام التالي. لكن حتى أبريل 2026، لم تكن الشركة قد بدأت بعد إنتاج هذه الروبوتات، رغم تأكيده أن الإنتاج قد ينطلق في يوليو أو أغسطس، مع إمكانية استخدام "أوبتيموس" خارج "تسلا" "في وقت ما من العام المقبل".
أوقفت "تسلا" إنتاج طرازاتها من السيارات الكهربائية الأقدم والأعلى سعراً، مثل"موديل إس" (Model S) و"موديل إكس" (Model X)، لإعادة توظيف مصنعها في كاليفورنيا لصالح إنتاج "أوبتيموس".
أطلقت "تسلا" أخيراً ما وصفته بخدمة سيارات أجرة ذاتية القيادة العام الماضي، بعد نحو عقد من توقعات إيلون ماسك المتكررة بأن تصبح سيارات الشركة قادرة قريباً على القيادة الذاتية.
وباتت الرحلات متاحة من دون مشرفي سلامة في ثلاث مدن بولاية تكساس. أما في منطقة خليج سان فرانسيسكو، فلا تزال خدمة النقل التشاركي تفتقر إلى التصاريح اللازمة لتشغيل رحلات ذاتية القيادة بالكامل، وتعتمد بدلاً من ذلك على مزيج من السائقين البشر ونظام "القيادة الذاتية الكاملة (الخاضعة للإشراف) من "تسلا" الذي يتطلب إشرافاً مستمراً من السائق.
ولم تفصح "تسلا" عن حجم أسطولها من سيارات الأجرة ذاتية القيادة، لكنها تستعد حالياً لتوسيع الخدمة إلى خمس مدن إضافية. ومع ذلك، أشار ماسك إلى أن الإيرادات من هذا النشاط لن تصبح مؤثرة قبل عام 2027 على الأقل.
ومن المنتظر أن يشكل طراز "سايبركاب" (Cybercab) ثنائي المقاعد الركيزة الأساسية لشبكة نقل تشاركي بلا سائق. وكان ماسك قد أعلن في أبريل أن "تسلا" بدأت للتو إنتاج هذه السيارة المدمجة، المصممة للعمل ذاتياً بالكامل من دون عجلة قيادة أو دواسات.
كيف ترتبط "تسلا" بشركات إيلون ماسك الأخرى؟
تلقت مبيعات "سايبرترك" دعماً ملحوظاً من شركات ماسك الأخرى، إذ أظهرت بيانات "إس آند بي غلوبال موبيليتي" (S&P Global Mobility) أن نحو واحدة من كل خمس شاحنات من هذا الطراز سُجلت خلال الربع الرابع من العام الماضي تم تسليمها إلى شركات أخرى ضمن إمبراطوريته التجارية المتشعبة.
في الوقت نفسه، اشترت شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة "إكس إيه آي" (xAI) التابعة لماسك بطاريات عملاقة من "تسلا" بمئات ملايين الدولارات لتشغيل عملياتها.
كما دمجت "تسلا" روبوت الدردشة "غروك" (Grok) التابع لـ"إكس إيه آي" داخل سياراتها، واستثمرت ملياري دولار في الشركة، قبل أن يتحول هذا الاستثمار لاحقاً إلى حصة في "سبيس إكس" عقب اندماج "إكس إيه آي" معها.
اقرأ أيضاً: ماسك يستعجل الموردين لدعم خطته الجديدة لتصنيع الرقائق
ويستهدف مشروع "تيرافاب" (Terafab) المشترك بين "تسلا" و"سبيس إكس" إنتاج كميات كافية من أشباه الموصلات المتقدمة لتلبية احتياجات جميع شركات إيلون ماسك، إذ يرى أن شركات تصنيع الرقائق المتعاقدة مثل "شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات" (TSMC) "سامسونج إلكترونيكس" غير قادرة على توفير هذا المستوى من الإمدادات.

