نجح الملك سلمان بن عبدالعزيز، حين كان أميرا لمنطقة الرياض، في إقامة معرض «المملكة بين الأمس واليوم» بالقصر الكبير في باريس إثر تحركات دبلوماسية خلال ديسمبر 1986. واستقطب المعرض اهتمام زوار الشانزليزيه وضفاف نهر السين، وسجّل افتتاحه دخول أول مسؤول سعودي إلى هذا الصرح التاريخي، الذي شُيّد عام 1897. وأسهمت علاقة الصداقة التي جمعت الملك سلمان برئيس الوزراء الفرنسي آنذاك جاك شيراك في تقديم العمارة النجدية الطينية وسط العاصمة الفرنسية، داخل مبنى يحمل العبارة: «صرح كرّسته الجمهورية الفرنسية لمجد الفن».

ولي العهد خلال لقائه أمس بالرئيس الفرنسي في القصر الكبير في باريس
صورة(3)
أول زعيم بعد الإغلاق
يدخل اليوم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان القصر الكبير ليكون أول زعيم دولي يدخله بعد إغلاق دام 4 سنوات تمت فيهم رقمنة أرشيف المبنى بالكامل ومسحه سيبرانيا وهي العملية التي تكلفت 466 مليون يورو، وسميت بنقل التحفة المعمارية من القرن العشرين إلى القرن الواحد والعشرين، وحمل اختيار القصر الكبير كمحطة أولى لولي العهد رسائل دبلوماسية مشفرة تجسد رؤية الرئيس ماكرون في أن الأمير محمد بن سلمان قائد استثنائي على المستوى العالمي وليس على المستوى العربي فقط ولذلك فتح له القصر الكبير المعد خصيصا لإطلاق تلك الرسائل كما أوضح الدبلوماسي الفرنسي الراحل ريمون آرون في كتابه "الحرب والسلم، نظرية في العلاقات الدولية"، مؤكدا أن الدول لا تختار جدران استقبالاتها عفوا بل تحول العمارة إلى رسائل تريد إيصالها.
تربط بين باريس والرياض علاقات قوية، إذ بلغ التبادل التجاري بينهما 11.8 مليار دولار إضافة إلى التنسيق السياسي في الملفات الإقليمية ما أثمر في النهاية عن تأسيس مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي الفرنسي الذي يجسد وحدة المصالح، كما أن ملفات مثل الطاقة والذكاء الاصطناعي تمثل عصب هذا التعاون الذي وصل إلى استضافة الفعاليات العالمية الكبرى مثل كأس العالم للرياضات الإلكترونية الذي يحضر الزعيمان مراسم اختتامه في القصر الكبير الذي أصبح بعد التجديد عنوان فرنسا في الريادة الإلكترونية وباستضافته أهم بطولة رياضات إلكترونية يطلق رسالة دبلوماسية أخرى أن البلدين صارا عنوانا لهذا القطاع وهو ما أكدته مصادر فرنسية من أن فرنسا راغبة في مواكبة السعودية في مسارها الصاعد.

صورة(2)
بداية الدبلوماسية الأوروبية
بعد 5 سنوات من افتتاح القصر في 1900 دخله الملك الإسباني ألفونسو الثالث عشر كأول ملك يفتح له المبنى العملاق، وفي موكب ملكي سار مع الرئيس الفرنسي إيميل لوبيه الذي أراه كل أنواع الفخامة الفرنسية من الزجاج المضيء إلى القبب العملاقة وصالونات الفنون ، وبعيدا عن الأعين كان اللقاء بين فرنسا الجمهورية وإسبانيا الملكية رسالة دبلوماسية مفادها أن الدولتين صارا في رباط مشترك والعلاقات بينهما قوية وقد احتاجت باريس هذا الدعم الذي لم يبخل به ألفونسو الثالث عشر فيما بات يعرف في التاريخ الأوروبي بداية إيجاد طرق دبلوماسية للتفاهم بدلا من رصاص البنادق الذي ساد القارة العجوز لفترات طويلة.
مصنع لترميم الإنسان
القاعات الفخمة تحولت إلى غرف للحجر الصحي ومعالجة الجنود المصابين وأصبحت السراديب السرية مخازن للمواد اللوجستية، هكذا تحول القصر الكبير في الحرب العالمية الأولى وأصبح مستشفى عسكري سري، والمثير أن النحاتين والفنانين الذين كانوا يعرضون أعمالهم تم تجنيدهم لتصميم أطراف صناعية وأقنعة معدنية مطابقة لأشكال وجوه وأجساد الجنود الذين شوهتهم القنابل في الجبهات ليعاد ترميم هوياتهم الإنسانية فيما أطلق عليه "مصنع الوجوه الجديدة"، أما في الحرب العالمية الثانية تحول المبنى التاريخي إلى مخزن رئيسي للدبابات والشاحنات الألمانية التي احتلت باريس ولم يتحرر القصر إلا بعد رحيل الألمان بمعركة تم فيها تدمير جزء من السقف الزجاجي.

صورة(1)
رسالة ديغول لأيزنهاور
أدرك الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور بعد أن وصل باريس في سبتمبر 1959 أن الجنرال شارل ديغول يريد إنهاء الخلاف بين البلدين خاصة بعد أن رفضت واشنطن آنذاك منح باريس أسلحة نووية وهو ما أدى إلى توتر العلاقة بين البلدين حتى جائت تلك الزيارة التاريخية لترميم العلاقات، ووسط نصف مليون فرنسي هتفوا باسم أيزنهاور المفضل "آيك" التقى الزعيمان داخل القصر الكبير الذي فتح خصيصا للرئيس الأمريكي ليدرك عظمة الجمهورية الفرنسية كونها مهد الفنون والثقافة وكان "كوف دي مور" عقل ديغول الدبلوماسي هو من خطط لذلك في أول استخدام للجدران لتوجيه رسائل سياسية ودبلوماسية.
بريجينف ورسالة موسكو
في ذروة الحرب الباردة أرادت فرنسا بدء علاقات ودية مع الاتحاد السوفيتي ولم تجد وسيلة أفضل من دعوة الزعيم السوفيتي بريجينيف لزيارة باريس وهو ما وافق عليه الأخير في أكتوبر 1971، وتأكيدًا على رغبة باريس تضمنت الزيارة فتح القصر الكبير للزعيم الشيوعي ليتجول فيه مع رئيس فرنسا وقتها جورج بومبيدو على هامش معرض تكنولوجي فرنسي روسي أقيم داخل القصر نفسه، ما دفع الغارديان إلى الكتابة آنذاك أن الصور التي ظهر بها الزعيمان تؤكد أنهما قادران على صياغة تقارب تاريخي يتجاوز الخلاف الأيدلوجي مستخدمين عظمة الفن والهندسة كجسر سياسي للعبور فوق ألغام السياسة.

الرئيس الأمريكي أوباما خلال لقاء بالرئيس الفرنسي هولاند في 2015
صورة
قوة باريس
رسائل القصر الكبير استمرت في القرن الواحد والعشرين حين دخله الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عام 2015 تزامنا مع انعقاد قمة المناخ في باريس، وجاءت تلك الزيارة بعد تعرض العاصمة الفرنسية لهجمات إرهابية هزت أمن اوروبا وجسد وقوف "أوباما" تحت القبة الزجاجية لحظتها رسالة مشفرة للداخل والخارج مفادها أن فرنسا بنظامها الجمهوري وقوتها الناعمة وعمارتها التاريخية عصية على الانكسار وأنها تحظى دائما بدعم القوة العظمى في العالم كما رأت صحيفة لوموند.



