الأحد, 23 أغسطس 2026|9 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

حافظت السعودية وفرنسا على علاقات رسمية متينة امتدت 100 عام، عززتها شراكات سياسية واقتصادية وثقافية ودفاعية.

يولي البلدان أهمية كبيرة للدبلوماسية والسياسة الخارجية، ويحملان هدفاً مشتركاً يتمثل في السعي إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي.

وبحسب تقرير صحيفة "عرب نيوز"، يعود تاريخ العلاقات بين البلدين إلى جدة في القرن التاسع عشر، التي شكلت بداية العلاقات السياسية بين فرنسا وشبه الجزيرة العربية، إذ رسخ افتتاح القنصلية الفرنسية في جدة عام 1839 العلاقات، باعتبارها أول بعثة دبلوماسية فرنسية في المنطقة.

في 1926، بدأت العلاقات الدبلوماسية الكاملة رسمياً، عندما أصبحت فرنسا من أوائل الدول التي اعترفت بمملكة الحجاز ونجد قبل توحيد المملكة في 1932. وشهدت تلك المرحلة تبادل زيارات ناقش خلالها الجانبان سبل التعاون في الدفاع والطاقة والاستثمار.

king1

ودخلت العلاقات السعودية الفرنسية مرحلة جديدة عقب زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز إلى فرنسا عام 1967، ولقائه الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديجول. وأسهمت الزيارة في توسيع التعاون ليشمل قطاعات متعددة، بما يخدم المصالح المشتركة.

في يناير 1972، عمقت السعودية وفرنسا تعاونهما الدفاعي بتوقيع اتفاقية تاريخية للمساعدة العسكرية. ساهمت الاتفاقية في تنويع مصادر المملكة من الأسلحة، وشكّلت علامة فارقة في العلاقات الثنائية، وجعلت فرنسا مورداً رئيساً للمعدات العسكرية للمملكة.

وفي يناير 1977، شهدت العلاقات بين البلدين نقلة جديدة عندما أصبح فاليري جيسكار ديستان أول رئيس فرنسي يقوم بزيارة رسمية إلى السعودية.

ولم يكن الأثر العالمي للزيارة مقتصراً على الزيارة نفسها، بل عززه الخطاب التاريخي للرئيس الفرنسي الذي أشاد فيه بالسعودية بوصفها قوة عالمية، في وقت كانت فيه مكانة المملكة الجيوسياسية تتصاعد على الساحة الدولية.

البنك السعودي الفرنسي

وفي 4 يونيو 1977، وصل التعاون الاقتصادي السعودي الفرنسي إلى محطة جديدة عندما صدر أمر ملكي من الملك خالد بن عبدالعزيز بإنشاء البنك السعودي الفرنسي كشركة مساهمة سعودية.

تولى الكيان الجديد عمليات بنك  Banque de l’Indochine et de Suez الفرنسي في المملكة، ما أسفر عن شراكة امتلك فيها المساهمون السعوديون الحصة الأكبر، فيما احتفظت المؤسسة الفرنسية بحصة أقلية وتولت الإدارة الفنية.

وشهدت العلاقات الثنائية محطة مهمة أخرى في عام 1978، عندما زار الملك خالد باريس في أول زيارة رسمية له إلى فرنسا، ما أسهم في توسيع التبادلات الأمنية والثقافية.

خلال السنوات التالية، استمر الزخم الدبلوماسي رفيع المستوى، مع تبادل متكرر لزيارات الدولة.

1987

زار الرئيس ديستان الرياض مجدداً في مارس 1980، أعقبه الرئيس الفرنسي المنتخب حديثاً آنذاك فرانسوا ميتران في سبتمبر 1981، في أول زيارة رسمية له خارج أوروبا. وفي 1984، قام الملك فهد بن عبدالعزيز بأول زيارة دولة له إلى فرنسا بصفته ملكا للسعودية.

وعلى مدى العقود الستة الماضية، واصل البلدان تعميق تعاونهما الثقافي، ليتوسع ويشمل جهوداً مشتركة في تطوير المتاحف وصناعة السينما والحفاظ على التراث.

في أبريل 1997، التقى الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض آنذاك، الرئيس الفرنسي جاك شيراك في باريس، حيث وقعا ميثاقاً للتعاون والصداقة بين العاصمتين.

سهل الاتفاق تبادل الخبرات بين السلطات البلدية في الرياض وباريس، بهدف تطوير التخطيط الحضري والبنية التحتية.

مجلس الأعمال السعودي الفرنسي

 تأسس مجلس الأعمال السعودي الفرنسي في 2001، ليسهم في توجيه العلاقات الاقتصادية نحو شراكات مباشرة بين القطاع الخاص في البلدين. وربط المجلس بين رجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين لتعزيز المشاريع والاستثمارات.

في أبريل 2005، قام ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز آنذاك بزيارة إلى باريس، وكانت الزيارة آخر زيارة رسمية له إلى أوروبا كولي عهد قبل توليه الحكم في العام نفسه.

في 2006، وقعت فرنسا والسعودية اتفاقية للتعاون الدفاعي حدثت الإطار العسكري الأساسي الذي أُرسى بين البلدين عام 1972. وبعد ذلك بفترة وجيزة، عاد الملك عبدالله إلى باريس في يونيو 2007 في زيارة رسمية التقى خلالها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.

عززت السعودية وفرنسا تعاونهما في قطاع الطاقة في يناير 2008، خلال زيارة استمرت يومين للرئيس ساركوزي، وشهدت توقيع اتفاقيات ثنائية في قطاعات النفط والغاز والتعدين.

واتسعت العلاقات بين الشعبين عام 2010، عندما افتتحت Alliance Francaise، المؤسسة الرسمية المعنية بتعليم اللغة الفرنسية كلغة ثانية، مراكز لها في السعودية.

في ديسمبر 2013، زار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الملك عبدالله في الرياض. وركزت الزيارة التي استمرت يومين على توسيع التعاون التجاري، وتجديد الالتزام المشترك بتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.

وفي الأول من سبتمبر 2014، قام ولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز، نائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك، بزيارة رسمية إلى فرنسا استمرت 4 أيام، بهدف تعزيز التعاون بين البلدين.

king4

القمة الأولى بين مجلس التعاون الخليجي وفرنسا

في الخامس من مايو 2015، التقى الرئيس الفرنسي هولاند الملك سلمان في الرياض، وألقى كلمة في القمة الأولى بين مجلس التعاون الخليجي وفرنسا، متعهدا بـ"بذل قصارى جهده لتعزيز العلاقة والشراكة، مع الدول الأعضاء والمنظمة، على كافة المستويات".

وفي يونيو 2015، التقى ولي العهد ووزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان الرئيس هولاند في باريس، حيث وقّعت فرنسا والسعودية اتفاقيات تجارية مهمة بقيمة 12 مليار دولار.

وفي نوفمبر 2017، زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السعودية للقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عقب الهجوم الصاروخي الذي شنه الحوثيون المدعومون من إيران على الرياض، متعهداً بـ"العمل مع السعودية لضمان الاستقرار في المنطقة ومكافحة الإرهاب".

وفي أبريل 2018، قام ولي العهد بأول زيارة رسمية له إلى فرنسا، حيث التقى الرئيس ماكرون لترسيخ العلاقات الاقتصادية الثنائية وإبرام عقود تجارية بين شركات سعودية وفرنسية بقيمة 18 مليار دولار. خلال الزيارة، أرست الدولتان شراكة تاريخية لتطوير العلا لتصبح وجهة رائدة للثقافة والتراث والسياحة المستدامة.

العلا تعاون ثقافي مشترك

شكّلت الفترة بين 2018 و2019 محطة مهمة في مسار التعاون السعودي الفرنسي في العلا، حيث تم إطلاق برامج تدريبية بالتعاون مع Campus Franceلتدريب السعوديين للعمل في قطاع الضيافة في العلا، إلى جانب تأسيس وكالة Afalula الفرنسية في باريس لدعم تنمية المنطقة.

وفي فبراير 2019، انطلق مشروع العلا السياحي، متضمناً خططاً لإنشاء منتجع فاخر من تصميم المهندس المعماري الفرنسي جان نوفيل، الحائز جائزة بريتزكر. وجاء ذلك عقب تنفيذ مشروع ترام العلا الصديق للبيئة بالتعاون مع شركة Alstom الفرنسية. كما تم إطلاق مؤسسة "فيلا الحجر" كأول مركز ثقافي سعودي فرنسي مشترك في العلا، ليكون منصة للإبداع والفنون البصرية والتبادل الفني.

في إطار التعاون الثقافي، سلط معرض "العلا: واحة العجائب في الجزيرة العربية"، الذي أقيم في معهد العالم العربي بباريس، الضوء على الكنوز الثقافية للسعودية في أكتوبر 2019.

وفي مارس 2020، استضافت السعودية قمة مجموعة العشرين. وكان الرئيس إيمانويل ماكرون من بين قادة العالم الذين حضروا الاجتماع الافتراضي الذي ركز على جائحة كوفيد-19.

وفي ديسمبر 2021، زار الرئيس ماكرون جدة، في زيارة تاريخية، والتقى ولي العهد لتوقيع عدد من الاتفاقيات الاستراتيجية والثقافية والسياحية. وخلال تلك الزيارة، وقع البلدان اتفاقية بين وزير السياحة أحمد الخطيب والوزير الفرنسي المنتدب للتجارة الخارجية فرانك ريستر لتعزيز التعاون السياحي.

شهد 2021 تبادلا للزيارات رفيعة المستوى بين السعودية وفرنسا. في 17 مايو، ترأس وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان وفد المملكة في المؤتمر الدولي لدعم السودان، وشارك في قمة باريس لتمويل الاقتصادات الإفريقية، التي استضافها الرئيس الفرنسي.

وأسهمت زيارات ولي العهد ورئيس الوزراء إلى فرنسا في يوليو 2022 ويونيو 2023، وزيارة الرئيس ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2021، في توسيع التعاون بين البلدين.

وكانت باريس قد استضافت في أكتوبر 2022 أول حفل موسيقي للفرقة الوطنية السعودية للموسيقى والكورال خارج المملكة، تحت عنوان "روائع الموسيقى السعودية"، بمشاركة الأوركسترا الفيلهارمونية الملكية الفرنسية، على مسرح شاتليه.

قدمت الفرقتان، بقيادة المايسترو عماد زاري وتحت إشراف أمين قويدر، عرضًا موسيقيًا مشتركًا تضمن باقة من الأغاني الشعبية السعودية بأنماط تقليدية متنوعة، مثل المجرور والمزمار والخبيتي والسامري، تلاها العرض العالمي الأول لمقطوعة "جدة" للمؤلف الموسيقي الإيطالي أنطونيو برناردي.

مجال التجارة

وفي مجال التجارة، بلغت صادرات السعودية غير النفطية إلى فرنسا 1.3 مليار ريال سعودي، بينما بلغت وارداتها 14.7 مليار ريال سعودي في 2022. وارتفع حجم التبادل التجاري بين المملكة وفرنسا إلى 11.793 مليار دولار أمريكي في 2025، بزيادة قدرها 7.2% عن 2024، ما يعكس التزام البلدين بتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية وتوسيع التجارة الثنائية.

وفي ديسمبر 2024، قام الرئيس ماكرون بزيارة إلى السعودية، حيث اتفق البلدان على تعزيز ثلاثة أهداف رئيسية: التنمية الوطنية والدفاع، والاستقرار الإقليمي والعالمي، والقضايا العالمية الرئيسية، وعلى رأسها تغير المناخ.

في سبتمبر 2025، قدمت السعودية وفرنسا معا مشروع قرار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاستئناف أعمال المؤتمر الدولي رفيع المستوى بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتطبيق حل الدولتين.

في يوليو 2026، أصبحت باريس أول مدينة تستضيف كأس العالم للرياضات الإلكترونية خارج الرياض، في خطوة تعزز طموح مؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية لتدوير استضافة البطولة بين مدن عالمية على المدى الطويل.

وتطلعا إلى المستقبل، يلتزم البلدان بخطة عمل مشتركة للفترة 2023–2028، تركز على الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية الخضراء، وتحفيز التنمية في قطاعات السياحة والرياضة والترفيه.

وعلى امتداد 100 عام من العلاقات الثنائية الرسمية، لطالما اعتبرت فرنسا السعودية حليفا موثوقا، له دور محوري في دعم السلام والاستقرار في المنطقة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية